الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
وصفت الآية الكريمة لحظة الاحتضار المرعبة لأولئك الكافرين الظالمين؛ حيث تتنزل عليهم ملائكة العذاب لانتزاع أرواحهم الخبيثة، فيستسلمون غاية الاستسلام ويخضعون، محاولين الكذب والمراوغة بإنكار أعمالهم السيئة، فيرد عليهم بالتبكيت وتأكيد علم الله المحيط بكل ما كانوا يعملون. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي قالوا في قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}: "يعني: ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب ينزعون أرواحهم عند الموت وهم على الشرك والظلم لأنفسهم؛ {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} أي: استسلموا وانقادوا وذلوا وخضعوا بعد أن كانوا في الدنيا مستكبرين متمردين؛ وقالوا كذباً ومراوغة: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} أي: ما كنا نشرك بالله ولا نعصيه؛ فترد عليهم الملائكة أو يقول الله تعالى: {بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تكذيباً لهم، أي بل كنتم تعملون السوء والشرك، والله محصٍ ذلك كله عليم به وسيجازيكم عليه". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "ألقوا السلم: استسلموا حين نزل بهم أمر الله وعاينوا الملائكة، فلم ينفعهم الاستسلام؛ وقالوا ما كنا نعمل من سوء فكذبهم الله". وقال الإمام القرطبي: "الوفاة هنا: قبض الأرواح عند انتهاء الأجل؛ وإلقاء السلم: الاستسلام والخضوع ونبذ المنازعة، مأخوذ من الاستسلام؛ وجحودهم للشرك عند الموت أو في القيامة هو من شدة الهلع، فيلجأ المشرك إلى الإنكار طمعاً في النجاة، فيرد عليهم بـ {بَلَىٰ} لإبطال نفيهم وإثبات عملهم الخبيث".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في تصوير أدق لحظات الضعف البشري والانكسار النفسي؛ فالمستكبرون الذين أعلنوا في الآية السابقة عنادهم ومشاقتهم {كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}، تنهار قواهم فجأة عند نزول الملائكة لقبض أرواحهم: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ}. وسرعة التعقيب بالفاء {فَأَلْقَوُا} تبرز زوال ذلك العنفوان الكاذب في لحظة معاينة ملك الموت، حيث يستسلم الجبار كأذل ما يكون العبيد. ثم تبرز المفارقة النفسية في محاولتهم اليائسة للكذب: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} استجلاباً لرحمة موهومة، فيأتي الرد الإلهي القاطع الحاسم بحرف الإبطال: {بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ ليخرس ألسنتهم ويسد في وجوههم كل باب للإنكار.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاستعداد للحظة الاحتضار: استحضار مشهد نزول الملائكة لقبض الروح؛ فإن حسن الخاتمة لا ينال بالأماني، بل بالثبات على التوحيد وتجنب ظلم النفس. 2. خطورة ظلم النفس بالشرك والمعاصي: أعظم الظلم هو ظلم العبد لنفسه بقطعها عن رحمة الله وإيرادها موارد الهلاك والجحيم. 3. اليقين بإحاطة علم الله بالأعمال: لا نجاة بالكذب ولا بالمراوغة أمام الله؛ فالأعمال محصاة مسجلة، والنجاة الوحيدة هي بالتوبة النصوح والعمل الصالح.