تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يعدد نعمه الجليلة في السكن واللباس والمتاع؛ والمعنى: والله سبحانه هو الذي جعل لكم من دوركم ومنازلكم المبنية من الحجر والطين والخشب مستقراً وسكناً تسكنون فيه وتهدأون وتأوون إليه وتسترون فيه عوراتكم وحرماتكم من أعين الناس وتقلبات الجو؛ وجعل لكم أيضاً من جلود الأنعام من الإبل والبقر والغنم خياماً وقباباً وفساطيط (بيوت الشعر والأدم) تستخفونها في حملها ونقلها يوم ارتحالكم وظعنكم في أسفاركم، ويوم نزولكم وإقامتكم لسهولة ضربها وبنائها؛ وجعل لكم من أصواف الضأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز أثاثاً تبسطونه في منازلكم من بسط وفرش وكسوة، ومتاعاً تنتفعون به وتتلذذون بمنافعه إلى حين انقضاء آجالكم وموتكم.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى يذكر تمام نعمته على عبيده بما جعل لهم من البيوت الثابتة الحضرية التي هي سكن ووقاية وستر، وما جعل لهم من البيوت المتنقلة البدوية المصنوعة من الجلود والخيام التي تخف في الحمل عند السفر والترحال؛ ثم ذكر ما سخر لهم من أكسية وفرش من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز، وجعل ذلك أثاثاً وهو المال المستعمل في المنازل، ومتاعاً ينتفع به إلى وقت مقدر وهو حين البلى أو حين الموت.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) الفروق الدقيقة في مسميات الأغطية الحيوانية؛ فالصوف للضأن، والوبر للإبل، والشعر للمعز؛ والأثاث هو متاع البيت الكثير من الفرش والكسوة، ولا يقال للواحد أثاث، بل يطلق على الجمع، وأصله من الكثرة والالتفاف ومنه شعر أثيث أي كثير ملتف. ويبين استدلال الفقهاء بالآية على طهارة أصواف وأوبار وأشعار الميتة وجلودها إذا دُبغت.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية استوعبت نعم الاستقرار والترحال؛ فالمسكن نعمة لا يقدرها إلا من فقدها كالمشردين، واللباس والمفارش من الأصواف والأوبار نعمة تقي من البرد وتجمل المظهر؛ فكلها مصالح مسخرة للعباد تقتضي شكر المنعم واستعمالها في مرضاته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
سَكَنًا: السكن كل ما تسكن إليه النفس وتستريح فيه من منزل أو زوجة أو ليل، وأصل السكون ضد الحركة.
ظَعْنِكُمْ: الظعن هو السفر والارتحال ومفارقة موضع الإقامة، بسكون العين، ومنه الظعينة للمرأة في الهودج.
أَثَاثًا: الأثاث متاع البيت وأدواته وكسوته، وأصله الكثرة والتجمع والتراكم.
مَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ: المتاع ما ينتفع به ويتبلغ به مدة محددة، والحين الوقت المقدر إما لبلى المتاع أو لموت المنتفع.
مِّن بُيُوتِكُمْ: متعلق بمحذوف حال مقدمة من «سَكَنًا».
سَكَنًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا: معطوف على الجملة السابقة؛ «بُيُوتًا» مفعول به، «مِّن جُلُودِ» متعلق بمحذوف حال مقدمة.
تَسْتَخِفُّونَهَا: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ«بُيُوتًا».
يَوْمَ ظَعْنِكُمْ: «يَوْمَ» ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ«تَسْتَخِفُّونَهَا»، «ظَعْنِكُمْ» مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ: معطوف على يوم ظعنكم منصوب بالفتحة.
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا: معطوف على «من جلود»، «أَصْوَافِهَا» اسم مجرور، والضمائر مضاف إليه.
أَثَاثًا وَمَتَاعًا: «أَثَاثًا» مفعول به لفعل محذوف تقديره (وجعل لكم من أصوافها أثاثاً)، «وَمَتَاعًا» معطوف منصوب.
إِلَىٰ حِينٍ: جار ومجرور متعلق بنعت لـ«مَتَاعًا».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تواصل سورة النحل عرض منظومة النعم الإنسانية الكبرى؛ فبعد أن منّ الله عليهم بنعمة خلق الذات ونعمة الحواس المعرفية في الآية (78)، ذكر هنا نعم البيئة المحيطة بالإنسان التي تحفظ بدنه وكرامته: نعمة المسكن الثابت، والمسكن المتنقل، والأثاث والمفارش؛ لتكتمل مقومات العيش الكريم المستقر.
التوازن البياني بين الحضر والبادية: جمعت الآية بين حاجة أهل الحضر المستقرين في البيوت المبنية {مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}، وحاجة أهل البادية والمسافرين في بيوت الجلود والشعر {بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا}؛ لتشمل المنة سائر أنماط المعيشة البشرية في كل عصر ومصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قيد الانتفاع بقوله {إِلَىٰ حِينٍ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
قوله {إِلَىٰ حِينٍ} حقيقة واقعية وتذكير إيماني؛ فالمتاع الدنيوي مهما بلغ جماله وجودته فهو موقوت بزمن محدد يبلَى فيه ويفنى، أو يموت صاحبه فيتركه؛ فليس في الدنيا متاع دائم.
وفي هذا التعقيب تنبيه رقيق للنفس البشرية ألا تركن إلى المتاع الزائل ولا تغتر برفاهية القصور والفرش، بل تتطلع إلى النعيم الأبدي الخالد في دار المقامة التي لا زوال فيها ولا فناء.
إطلاق وصف {سَكَنًا} منكراً على البيوت الحجرية؛ للدلالة على أن البيت ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو موئل الراحة والسكينة النفسية والستر والاستقرار الأسري.
التعبير بـ{تَسْتَخِفُّونَهَا} في بيوت الخيام؛ لإبراز صفة الخفة وسهولة الحمل والفك والتركيب، وهي ميزة عظيمة للمسافر في الصحراء.
التفصيل الدقيق لخصائص الأنعام الثلاثة: الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز؛ مما يدل على دقة الاستيعاب لجميع موارد الثروة الحيوانية وتسخيرها لخدمة الإنسان.
الإشارة والتدبر الإيماني: نعمة الستر والمأوى؛ كم من مشرد لا يجد جداراً يستره ولا سقفاً يؤويه من البرد والمطر، فالمؤمن إذا دخل بيته تذكر فضل الله وقال كما علمه النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس تعظيم حرمة البيوت والمنازل؛ فالبيت سكن ومحضن للتربية والستر وعبادة الله، فينبغي أن يُطهر من المنكرات ويُعمر بالصلاة وقراءة القرآن.
التطبيق العملي: شكر نعمة المسكن والمفارش بالاعتدال في التأثيث دون إسراف ولا مخيلة، وتفقد الفقراء والمساكين الذين لا يملكون مأوى وتيسير السكن لهم.
الوجدان الإيماني: فيض من الامتنان للرب الرحيم الذي كفى عباده وآواهم وسخر لهم الأرض وما عليها لينعموا بحياة آمنة كريمة.