يضرب الله مثلاً قرية توفرت لها أعظم أسباب الحياة الكريمة من الأمن والاستقرار، ورغد العيش، وسعة الأرزاق من كل فج عميق، فبدلت نعمة الله كفراً وجحدت حقوق المنعم، فاستبدلها الله بالخوف والجوع والمسكنة.
تفسير الطبري (14/ 349)مصدر غير محدد١٤/٣٤٩: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أنها مكة حرسها الله؛ كانت آمنة مطمئنة بحرمها المحرم يأتيها رزقها رغداً من كل مكان بدعوة إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}، فكفرت بأنعم الله حين بعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فكذبوه وأخرجوه، فدعا عليهم النبي: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فأصابهم الجوع الشديد حتى أكلوا العلهز والقد، وأذاقهم الله لباس الخوف بسرايا رسول الله وجيوش الفتح.
تفسير ابن كثير (4/ 607)مصدر غير محدد٤/٦٠٧: يؤكد ابن كثير أن المثل وإن انطبق على مكة، فإنه سنة عامة جارية في كل قرية وبلدة أنعم الله عليها بالأمن والرخاء فبطرت معيشتها وجحدت فضل بارئها؛ فإن الله يسلبها النعم ويلبسها أردية النقم.
القرطبي (10/ 187)مصدر غير محدد١٠/١٨٧: يذكر القرطبي أن الآية تحذير لكفار قريش وموعظة لسائر الخلق إلى يوم القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الرغد: الطيب الواسع الكثير الذي لا عناء فيه ولا كد، عيش رغد: طيب واسع ناعم.
الأنعم: جمع قلة لنعمة، والجمع هنا لتأكيد شمول النعم وكثرتها وتظافرها عليهم.
لباس الجوع والخوف: استعارة تمثيلية في غاية الروعة، شبه ما أحاط بهم وتغشاهم من أثر المجاعة والذعر باللباس المشتمل على الجسد الملازم له الذي لا ينفك عنه.
إعراب {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً}:
الواو استئنافية، {ضَرَبَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مَثَلًا}: مفعول به أول منصوب لـ {ضَرَبَ} (أو حال مقدمة).
{قَرْيَةً}: بدل من {مَثَلًا}، أو مفعول به ثانٍ، أو مفعول به لـ {ضَرَبَ} و{مَثَلًا} حال.
{فَأَذَاقَهَا}: الفاء سببية عاطفة، {أَذَاقَ}: فعل ماض ينصب مفعولين، والهاء مفعول به أول.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل.
{لِبَاسَ}: مفعول به ثانٍ منصوب.
{الْجُوعِ}: مضاف إليه مجرور، {وَالْخَوْفِ}: معطوف عليه.
{بِمَا}: الباء سببية، {مَا}: مصدرية، أي بسبب صنيعهم، أو موصولة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع ضرب المثل في سورة النعم: سورة النحل هي سورة النعم الكبرى؛ عدد الله فيها نعم الخلق، والرزق، والأنعام، والمطر، والعسل، والسكينة؛ فناسب ختام السورة ضرب مثل تطبيقي عملي لقرية أفاض الله عليها تلك النعم فكفرت بها، ليعلم المخاطبون أن مصير جاحد النعمة هو سلبها وذوق لباس البؤس.
المقابلة التناظرية البديعة:
في حال النعمة: {آمِنَةً} يقابلها في العقوبة: {وَالْخَوْفِ}.
وفي حال النعمة: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا} يقابلها في العقوبة: {لِبَاسَ الْجُوعِ}.
وفي حال السكون: {مُّطْمَئِنَّةً} يقابلها شتات الاضطراب والذعر والفقر.
التعليل بـ {بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}: إثبات لكمال العدل الإلهي؛ فالعذاب لم يكن ظلماً بل كان نتيجة حتمية لما صنعته أيديهم من كفر وظلم وبطر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعبير باللباس مع الإذاقة (استعمال حاستي الذوق واللمس معاً):
قد يظن متوهم تنافراً في الجمع بين الإذاقة (المتعلقة بالتذوق في الفم) واللباس (المتعلق بالظاهر والجسد).
السر البلاغي والتحقيق الإعجازي: هذا من أبلغ المجاز في كلام العرب؛ فالإذاقة تدل على مس العذاب ووصوله إلى أقصى الأعماق والحواس بحيث يجدون مرارته وألمه كما يجد الآكل مرارة الطعم، واللباس يدل على إحاطة العذاب وظهوره على أبدانهم شحوباً وهزالاً واصفراراً بحيث يراهم الرائي فيعلم أنهم متلبسون بالجوع والخوف تلبس الثوب بالجسد؛ فجمع النظم بين ألم الباطن وشحوب الظاهر في تصوير إعجازي فريد لا مزيد عليه.
الاستعارة المركبة في {لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}: شبه ما غشيهم من الخوف وأثر الهزال والضر بالثوب السابغ الذي يحيط بهم من كل جانب ملازماً لا يبرح.
التنكير في {مَثَلًا قَرْيَةً}: للإبهام ثم التفسير؛ وهو أدعى إلى التشويق والتأمل في الصفات قبل تعيين الموصوف، لتعلم الأمة أن الحكم لا يختص بمكان بل يعم كل بلد يسير في هذا المسار.
الإشارة والتدبر: دوام النعم مقرون بشكرها، وزوالها معقود بكفرها؛ فالأمن الغذائي والأمن النفسي المجتمعي هما عماد الحضارات، فإذا كفرت المجتمعات بربها تلاشت أسس أمنها وانهارت اقتصادياتها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تحذير الأمم والشعوب من بطر النعم؛ فإن رغد العيش والأمن إذا قابلهما المجتمع بالإلحاد والفواحش والظلم كانت النتيجة الحتمية الانهيار الاقتصادي والرعب الاجتماعي.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على شكر النعم المتوالية، وتعليم الأجيال أن ما هم فيه من وفرة في الطعام والشراب والأمان إنما هو فضل إلهي محض يستوجب الحمد والطاعة لا الكبر والإسراف.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً من سلب النعم، ويستشعر عظم نعم الله المستقرة التي ألفها، فيلهج لسانه بالحمد والثناء والشكر لله تعالى آناء الليل وأطراف النهار.