وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
انتقل البيان الإلهي انتقالاً معجزاً من "هداية الطرق والمسالك المادية الأرضية" التي تسلكها الدواب والمراكب، إلى "هداية الصراط المعنوي الديني" الموصل إلى رضوان الله والجنة، مبيناً أن بيان طريق الحق المستقيم تفضل من الله ورحمة، وأن من الطرق ما هو مائل جائر عن الهدى، وأن مشيئة الله نافذة لو شاء لهدى الخلائق كلهم جبراً ولكن اقتضت حكمته الابتلاء والاختيار. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} قالوا: "أي على الله تبيان طريق الهدى والصراط المستقيم والدعوة إليه بالكتب والرسل؛ وقصد السبيل: هو الطريق القاصد المستقيم الذي لا عوج فيه وهو الإسلام". وفي قوله: {وَمِنْهَا جَائِرٌ} روى الطبري عن ابن عباس قال: "من السبل سبل جائرة عادلة عن الحق مائلة إلى الباطل والضلال وهي سائر الأهواء والملل الباطلة والبدع". وروى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "السبيل القاصد: طاعة الله ودينه، والسبيل الجائر: معصية الله وسبل الشيطان". وفي قوله: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} قال الحسن البصري: "لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة على الهدى جبراً وقهراً، ولكنه سبحانه ركب فيكم العقول والأسماع والأبصار ومكنكم من الاختيار؛ ليميز الخبيث من الطيب ويجزي كل نفس بما تسعى". وقال الإمام القرطبي: "القصد في اللغة: الاستقامة؛ والسبيل القاصد: الطريق السوي الذي يوصل سالكه إلى بغيته بأقرب مسلك؛ والجائر: المائل العادل عن الاستقامة؛ وفيه رد قاطع على القدرية والمعتزلة؛ إذ أثبت أن الهداية التامة بمشيئة الله تعالى النافذة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الانتقال من المحسوس إلى المعقول قمة في براعة الاستطراد والتناسب القرآني؛ فبعد أن تحدث عن الدواب وسلوك الطرق الأرضية وحمل الأثقال إلى البلدان {إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ} وركوب الخيل والبغال، ذكّر بأن هناك سفراً أعظم وهو السفر إلى الله والدار الآخرة، وهناك طريقاً أخطر وهو صراط النجاة المعنوي: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}. وتقديم الجار والمجرور {وَعَلَى اللَّهِ} يفيد الحصر والاختصاص؛ أي على الله وحده لا شريك له هداية الخلق وتبيين الصراط القاصد وإرسال الرسل، وليس لأحد من الخلق أن يشرع ديناً أو يهدي إلى الجنة من دون الله. ثم قابل الطريق القاصد المستقيم بالطرق المائلة: {وَمِنْهَا جَائِرٌ} مفرداً السبيل القاصد وجمعاً للسبل الجائرة ضمناً؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، والباطل شعب شتى وأهواء متباينة. ثم ختم بتقرير طلاقة المشيئة والقدر {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} لدفع توهم أن خروج الضالين عن الصراط المستقيم هو لعجز في القدرة الإلهية، بل هو بمشيئته وحكمته في نظام التكليف.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاعتصام بالصراط المستقيم والتحذير من البدع: اتباع هدي القرآن والسنة والحرص على نقاء المنهج، وتجنب السبل المبتدعة والآراء الشاذة التي تفرق المسلمين. 2. شكر نعمة الهداية والبيان: أعظم نعمة أنعم الله بها على العبد هي أن هداه للإسلام وبين له طريق النجاة؛ فالواجب دوام الدعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. 3. التوازن بين الإيمان بالقدر وتحمل المسؤولية: الإيقان بأن كل شيء يجري بمشيئة الله النافذة، مع الاستقامة وبذل الجهد في طاعة الله دون اتكال على الأماني الباطلة.