رد الفرية عن النبي صلى الله عليه وسلم: بعد أن رمى مشركو مكة النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء والتبديل عند نزول الآيات الناسخة بقولهم: {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}، جاء هذا الحصر الإلهي القاطع ليرد السهم إلى نحورهم، مبيناً أن الافتراء ليس من شأن صاحب الرسالة الصادق الأمين، بل هو دأب الكافرين بآيات الله وجحدهم لها.
تفسير الطبري (14/ 338)مصدر غير محدد١٤/٣٣٨: يروي ابن جرير عن قتادة والسدي ومجاهد أن الله جل ثناؤه برأ نبيه مما رماه به أهل الشرك، فقال: ليس محمد بمفترٍ، ولكن الذين يفترون الكذب هم الذين لا يصدقون بحجج الله ولا يقرون بتوحيده وأمره ونهيه؛ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، بخلاف المؤمن الموقن بالحساب.
تفسير ابن كثير (4/ 604)مصدر غير محدد٤/٦٠٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية قاعدة عظمى في معرفة حقيقة الكذب والافتراء؛ فالكذب لا يقدم عليه مؤمن يخاف مقام ربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الخلق قاطبة عن ذلك، وهو الذي لم يكذب في شأن الناس قط، فكيف يكذب على الله تبارك وتعالى؟!
القرطبي (10/ 178)مصدر غير محدد١٠/١٧٨: ينبه الإمام القرطبي إلى أن الكذب من أبشع الرذائل التي تنفي كمال الإيمان، واستدل بالحديث النبوي الصحيح: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: «لا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الافتراء: افتعل من الفري، وهو قطع الجلد للإصلاح، ثم استعمل في قطع القول واختلاقه للإفساد والتزوير، والافتراء أخص من الكذب؛ لأنه كذب متعمد متكلف يختلقه صاحبه من غير أصل ولا شبهة.
إعراب {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ}:
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر.
{يَفْتَرِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل مؤخر لـ {يَفْتَرِي}.
{لَا يُؤْمِنُونَ}: {لا} نافية، و{يُؤْمِنُونَ} مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
إعراب {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}:
الواو استئنافية، {أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ أول، والكاف للخطاب.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْكَاذِبُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وتعريف الخبر بـ (الـ) للجنس يفيد الحصر، أي هم الكاذبون الكاملون في الكذب والافتراء لا غيرهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط مع الآية السابقة: لما قال الكفار للنبي: {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}، وأجاب الله عن نزول القرآن بالحق تثبيتاً وهدى وبشرى، كشف الله هنا عن الحقيقة الموضوعية والدافع الحقيقي وراء الافتراء، فبين أن المفتري حقاً هو من تجرد من ركيزة الإيمان؛ لأن التقوى واليقين مانعان ذاتيان من الكذب.
المقابلة الحاصرة: وردت صيغة القصر {إِنَّمَا} في دعوى المشركين {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ} مقابلة بصيغة القصر الإلهية {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}، لقلب الحجة عليهم وإلزامهم بافترائهم المحض.
تناسب الصدر والختام: تصدير الآية بنفي الإيمان وعجز الفاعل، وختامها باسم الإشارة الدال على البعد والتحقير {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}، ليتقرر أن من كذب على الله وجحد وحيه هو المنغمس في بحار الإفك التي لا نجاة منها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الذنب من المؤمن ومفهوم نفي الكذب عنه:
قد يشكل ظاهر الآية وحديث «أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا» مع وقوع بعض المسلمين في معصية الكذب، فهل يخرجهم ذلك من الملة؟
الجواب العقلي والتحريري: نفي الإيمان هنا محمول إما على نفي أصل الإيمان فيمن افترى الكذب على الله واختلق الأديان وحرف الشرائع وجحد النبوة؛ لأن هذا كفر صريح، وإما على نفي كمال الإيمان الواجب عمن استمرأ الكذب واعتاده، فالكذب المنفي نفياً باتاً هنا هو الافتراء على الله ورسوله، أو أن الذي يكذب كذباً مطلقاً مستحلاً له لا يكون قلبه قد ذاق حلاوة الإيمان والخشية من العزيز الديان.
أسلوب القصر والحصر: باستعمال {إِنَّمَا}، قصر الافتراء على الكافرين قصر إفراد أو قلب رداً على زعمهم الباطل.
تعريف الجزأين وضمير الفصل: في قوله {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} اجتمع اسم الإشارة للبعيد إشعاراً بانحطاط رتبتهم وبعدهم عن مدارج الصدق، وضمير الفصل {هُمُ} لتأكيد النسبة وتخصيصها، وتعريف الخبر {الْكَاذِبُونَ} ليدل على أنهم بلغوا الغاية في الوصف حتى كأن غيرهم لم يتصف به أمام قبح افترائهم.
الإشارة والتدبر: الكذب خيانة للشرف الإنساني قبل أن يكون معصية شرعية؛ إذ لا يفتري إلا مهين النفس، ساقط المروءة، عديم البصيرة، ومن علامة المؤمن الصادق لهج لسانه بالحق واستيحاشه من الزور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الداعية الرباني حصنه الحصين صدقه وأمانته؛ فالصدق جواز مرور القلوب، والافتراء والكذب سلاح المفلسين في مواجهة الحجة والبيان، وحين يعجز الخصوم عن نقض الفكرة يلجؤون إلى تشويه صاحبها.
التوجيه التربوي: غرس تعظيم الصدق في النفوس منذ الصغر، والتحذير من التساهل في الكذب ولو كان مزاحاً؛ فإن استمراء الصغائر يجر إلى الموبقات، والكذب خصلة من خصال النفاق التي تفسد نقاء القلب.
الأثر الوجداني: يشعر المؤمن براحة الضمير وعزة الاستقامة حين يلتزم الصدق، ويستشعر مراقبة الله السميع العليم، فينفر طبعه من التزوير وشهادة الزور، مؤمناً بأن الحق منصور والباطل زهوق.