تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يضرب مثلاً عقلياً لإبطال الشرك بين حالتين متناقضتين تماماً؛ والمعنى: ضرب الله مثلاً للوثن المعبود من دونه ولنفسه العلية، أو للكافر والمؤمن؛ فالحال الأولى: عبد رقيق مملوك مقهور لا يملك من أمره ولا من مال الدنيا شيئاً ولا يقدر على تصرف، والحال الثانية: حر طليق غني متصرف رزقه الله رزقاً واسعاً حلالاً طيباً، فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء في وجوه الخير والبر ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً؛ {هَلْ يَسْتَوُونَ}؟ استفهام إنكاري، أي: لا يستوي هذان العبدان في عقل أحد من العقلاء، فكيف تسوون أيها المشركون بين الأصنام العاجزة المملوكة المقيدة التي لا تملك نفعاً ولا ضراً، وبين رب العالمين الخالق المالك الغني الحميد الذي ينفق كيف يشاء؟! {الْحَمْدُ لِلَّهِ} بل الحمد كله والكمال المطلق لله وحده، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} جهال بحقائق التوحيد وعظمة بارئهم.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا مثل حكيم ضربه الله لبيان بطلان التسوية بين الخالق والمخلوق؛ فإذا كان العبد المملوك العاجز لا يستوي مع الحر المنعم المتصدق، فكيف يسوى الجماد الحجر الذي لا يسمع ولا يبصر بملك الملوك وخالق السماوات والأرض؟! وقال مجاهد وقتادة: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن؛ فالكافر عاجز مخذول لا يقدم لنفسه خيراً، والمؤمن رزقه الله الإيمان والعمل الصالح فهو ينفق من نور هدايته سراً وجهراً؛ وكلا المعنيين صحيح ومتلازم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن الجمع في قوله: {هَلْ يَسْتَوُونَ} مع أن المذكور اثنان (العبد والحر)؛ لأن كل واحد منهما يعبر عن جنس وطائفة، أو لأن في الكلام حذفاً تقديره: هل يستوون هم ومن جعلتموهم أنداداً. وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} كلمة تعليم وإلزام بالاعتراف بأن استحقاق الحمد خالص لله دون سائر المعبودات.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن ضرب الأمثال من أبلغ طرق البيان القرآني؛ لأنها تبرز المعاني المعقولة في صور محسوسة يشهدها كل أحد؛ فالتفاوت بين العبد العاجز والحر المنعم ظاهر لا يماري فيه أحد، ومقتضاه العقلي والشرعي إفراد الله بالعبادة وتنزيهه عن الأنداد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
مَّمْلُوكًا: صفة للعبد لقطع توهم العبودية العامة لجميع الخلق، وتأكيد أنه رقيق تحت يد سيد يملكه.
لَّا يَقْدِرُ: القدرة التمكن من الفعل والتصرف، ونفيها يدل على العجز التام والمنع القهري.
سِرًّا وَجَهْرًا: السر الإخفاء، والجهر الإعلان؛ والجمع بينهما يدل على عموم الأوقات واستغراق أصناف الإنفاق.
التوجيه الإعرابي:
ضَرَبَ اللَّهُ: «ضَرَبَ» فعل ماض مبني على الفتح، «اللَّهُ» لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
مَثَلًا: مفعول به أول لـ«ضَرَبَ» منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق).
عَبْدًا: بدل من «مَثَلًا» أو مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
مَّمْلُوكًا: نعت أول لـ«عَبْدًا» منصوب بالفتحة.
لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ: «لَا» نافية، «يَقْدِرُ» فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، «عَلَىٰ شَيْءٍ» متعلق بـ«يَقْدِرُ»، والجملة في محل نصب نعت ثانٍ لـ«عَبْدًا».
وَمَن رَّزَقْنَاهُ: الواو عاطفة، «مَن» اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على «عَبْدًا»، «رَزَقْنَاهُ» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل والهاء مفعول به أول.
مِنَّا: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «رِزْقًا».
رِزْقًا: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق).
حَسَنًا: نعت منصوب بالفتحة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: «بَلْ» حرف إضراب، «أَكْثَرُهُمْ» مبتدأ، وجملة «لَا يَعْلَمُونَ» في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن نهى الله في الآية (74) عن ضرب الأمثال الباطلة له: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ}، بادر سبحانه هنا بضرب المثل الحق الحكيم الذي يقرب حقيقة التوحيد للعقول ويهدم الشرك؛ فبين كيف تكون المقارنة العادلة والبرهان الحاسم.
التناسب بين حال العبد وحال الوثن: اتصفت الأصنام بأنها مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، بينما اتصف الله بأنه الرزاق الوهاب المتصرف في ملكه بالجود والإنفاق؛ فاستحال الجمع والتسوية بينهما عقلاً وفطرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا جمع الضمير في {هَلْ يَسْتَوُونَ} مع أن المثل ضرب لواحد وواحد (عبد وحر)؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
«من» في قوله {وَمَن رَّزَقْنَاهُ} ولفظ «عبداً» اسما جنس يصدقان على الجمع والواحد؛ فالمثل لا يختص بفردين معينين، بل يمثل صنفين كبيرين وطائفتين من الخلائق: طائفة العبيد العاجزين وطائفة الأحرار المتصرفين؛ فناسب جمع الضمير حملاً على المعنى.
وقيل: يعود الضمير على هؤلاء العبيد المضروب بهم المثل وعلى ما اتخذوهم آلهة من دون الله؛ فكيف يستوي المعبودون العاجزون بالخالق المنعم المتفضل؟! فالجمع غاية في البلاغة والتناسق المعنوي.
تقييد العبد بـ{مَّمْلُوكًا} ونعت حاله بـ{لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ}؛ لاستقصاء معاني العجز والتبعية وسلب الاختيار، ليكون أبلغ في مطابقة حال الأصنام الحجرية.
إضافة الرزق إلى ذاته العلية {مِنَّا} وتنكير {رِزْقًا} ووصفه بـ{حَسَنًا}؛ لبيان سعة الجود والفضل الإلهي الذي يفيض على عباده بلا حدود.
أسلوب الاستفهام الإنكاري {هَلْ يَسْتَوُونَ} المتضمن الجواب الحاسم الذي لا يستطيع أحد أن يقول فيه «نعم يستوون».
المبادرة بإعلان {الْحَمْدُ لِلَّهِ} عقب سقوط التسوية؛ لتقرير أن الفضل والحمد كله لله الذي أبان الحق وأقام الحجة وقطع أوهام المشركين.
الإشارة والتدبر الإيماني: الفرق بين حرية التوحيد ورق الشرك؛ فالمؤمن الموحد حر طليق القلب ينفق من نور الإيمان والخير، والمشرك عبد مقهور لأهوائه وأصنامه لا يقدر على نفع نفسه ولا نفع غيره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: استخدام أسلوب ضرب الأمثلة العقلية الحية في التربية والتعليم والدعوة؛ لأنها تخاطب الفطرة وتكشف التناقض بوضوح لا يدع مجالاً للجدل العقيم.
التطبيق العملي: الإنفاق في سبيل الله بالسر والعلانية لمن آتاه الله رزقاً حسناً، استجابة لنداء الشكر وامتثالاً لحال المنعم المحمود.
الوجدان الإيماني: دوام اللهج بحمد الله على نعمة العقل والتوحيد، والشعور بالشفقة على الغافلين الذين حُرموا نور البصيرة فعاشوا في ظلمات التناقض والشرك.