تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن قوله تعالى: {الَّذِينَ صَبَرُوا} نعت للمهاجرين المذكورين في الآية قبلها، أو مستأنف في مدحهم؛ والمعنى: هم الذين ثبتوا وصبروا على أذى المشركين وعلى مشاق الهجرة ومفارقة الأوطان والأموال والأهل، وصبروا على تكاليف طاعة الله وأوامره ونواهيه، وعلى ربهم وحده يتوكلون؛ أي يفوضون أمورهم إليه، ويثقون بكفايته ونصرته ورزقه، ولا يرجون أحداً سواه.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا يصف هؤلاء المهاجرين الذين وعدهم بهذا الثواب الجزيل بأخص صفاتهم وأعظمها قدراً؛ وهي الصبر على المكاره واللأواء، والتوكل على الله بتفويض سائر الأمور إليه؛ فبالصبر تركوا ما تشتهيه نفوسهم وتحملوا الأذى، وبالتوكل وثقوا بأن الله ناصرهم ومخلف عليهم ما تركوه في سبيله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن الجمع بين الصبر والتوكل هو مدار السعادة والنجاة؛ فالصبر حبس النفس عن الجزع وعن معاصي الله وحبسها على طاعته، والتوكل هو اعتماد القلب على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، ومن اجتمع له الصبر والتوكل كفاه الله كل ما أهمه.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هاتين الصفتين هما جماع الأخلاق الفاضلة؛ فالصبر معونة على أداء الواجبات وترك المحرمات وتحمل الأقدار المؤلمة، والتوكل هو الاستعانة بالله والاعتماد عليه في تحقيق ذلك وفي كل شأن، وبهما يبلغ العبد أعلى المقامات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
صَبَرُوا: الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، وفي الشرع حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن معصية الله.
يَتَوَكَّلُونَ: التوكل تفعل من الوكالة، وهو إظهار العجز والاعتماد التام على الوكيل الكافي وتفويض الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
التوجيه الإعرابي:
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع بدل أو نعت لـ«الَّذِينَ هَاجَرُوا»، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم الذين صبروا)، أو في محل نصب على المدح بفعل محذوف تقديره (أمدح الذين صبروا).
صَبَرُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
يَتَوَكَّلُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة معطوفة على صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما رتب الله على الهجرة أعظم الوعود بالتبوئة الحسنة في الدنيا والأجر الأكبر في الآخرة، علل ذلك ببيان الأوصاف الجليلة التي استحقوا بها هذا الجزاء؛ لئلا يظن ظان أن الهجرة مجرد انتقال مكاني جسدي، بل هي عمل قلبي إيماني عظيم قائم على ركيزتي الصبر والتوكل.
المطابقة البلاغية بين الماضي والمضارع: عبّر عن الصبر بالماضي {صَبَرُوا}؛ لأن صبرهم على الأذى في مكة والمفارقة قد تحقق وتأكد وثبت. وعبّر عن التوكل بالمضارع {يَتَوَكَّلُونَ}؛ لإفادة التجدد والاستمرار، فالعبد لا يستغني عن التوكل على ربه في كل لحظة من لحظات حياته المستقبلية ومسيرته الدعوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم تعارض التوكل مع الأخذ بالأسباب والهجرة: قد يظن متوهم أن التوكل يقتضي البقاء في مكة وترك الهجرة انتظارا لفرج الله دون حركة أو سعي.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
حقيقة التوكل في الشريعة والعقل تقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله، ومباشرة الأسباب المأمور بها شرعاً وقدراً؛ فالهجرة كانت هي السبب الشرعي والقدري لحفظ الدين والنفس، والأنبياء والصحابة باشروا الأسباب فأعدوا الركائب وساروا في الطرق الخفية مع كمال اعتماد قلوبهم على حفظ الله.
ترك الأسباب معصية وقدح في العقل، والاعتماد على الأسباب دون مسببها شرك وقدح في التوحيد؛ فكان هؤلاء المهاجرون أكمل الناس توكلاً لأنهم بذلوا أقصى الأسباب وفوضوا العاقبة لرب الأرباب.
تقديم المعمول في {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}؛ لإفادة الحصر والاختصاص، أي: عليه لا على غيره يعتمدون، وفيه إشارة إلى نفي التعلق بالخلق والأموال والديار.
اختيار اسم الرب المضاف إلى ضميرهم {رَبِّهِمْ}؛ لإشعارهم باللطف والعناية والتربية الخاصة التي يحوط الله بها أولياءه الصابرين المتوكلين.
الإشارة والتدبر الإيماني: جماع الدين في كلمتين: «إياك نعبد» وهو الصبر على الطاعة ومجانبة المعصية، و«وإياك نستعين» وهو التوكل المطلق على الله؛ فمن حقق هاتين الركيزتين نال الحسنى وزيادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية أفراد المجتمع المسلم على ثنائية الصبر والتوكل؛ فالصبر يمنح العبد الثبات أمام العواصف والفتن، والتوكل يمنحه القوة واليقين بأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً.
التطبيق العملي: تفويض الأمور كلها إلى الله مع بذل الجهد المشروع في العمل والدراسة والدعوة، وعدم التعلق بالأشخاص أو الأسباب المادية تعلق اضطرار.
الوجدان الإيماني: سكينة النفس واطمئنان القلب؛ فالمتوكل على ربه لا يضطرب لفقر ولا يخاف من بطش جبار، لأنه استند إلى الركن الشديد الذي لا يزول.