أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
طرحت الآية الكريمة السؤال التوحيدي الأكبر، والمحاكمة العقلية القاطعة التي تنطلق من كل تلك النعم السابقة كدليل إلزامي لا يقبل المراوغة؛ فوازنت بين الخالق العظيم المبدع لكل تلك الأكوان والأنعام والنبات والبحار والنجوم، وبين من لا يخلق شيئاً من الأصنام والأنداد والمخلوقات العاجزة، منددة بسفاهة المشركين الذين سووا بينهما. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ} قالوا: "هذا مثل ضربه الله لنفسه وللأوثان؛ يقول: أفمن يخلق هذه النعم والسموات والأرض والإنسان والأنعام والشجر والبحار والنجوم، كمن لا يخلق شيئاً من ذلك ولا من غيره من الأوثان والأصنام التي تعبدونها من دون الله؟! {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أي: أفلا تعتبرون وتتفكرون فتعلمون أن من يخلق ليس كمن لا يخلق، فكيف تجعلون العاجز شريكاً للقادر؟!". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أنكر الله على المشركين عبادتهم للأصنام مع إقرارهم بأنها لا تخلق شيئاً، فوبخهم بقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق؟". وقال الإمام القرطبي: "هذا استفهام إنكاري توبيخي؛ وفيه أوضح دليل عقلي وبرهان منطقي على بطلان الشرك؛ إذ العقل السليم يقضي بالفرق البديهي بين الخالق القادر وبين العاجز الذي لا يقدر على خلق ذرة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الموقع يمثل "عقدة النظم وبؤرة البرهان" في سورة النحل بأسرها؛ فبعد أن سرد ست عشرة آية متتابعة طافحة بذكر أصول النعم والخلائق (السموات، الأرض، الإنسان، الأنعام، الدفء، المآكل، الجمال، الحمل، الخيل، البغال، الحمير، المطر، الزرع، الزيتون، النخيل، الأعناب، الليل، النهار، الشمس، القمر، النجوم، كائنات الأرض، البحر، اللحم الطري، الحلية، الفلك، الرواسي، الأنهار، السبل، والعلامات)، فاجأ العقول بهذا السؤال الحاسم: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ}؟! وهذا التناسب الفذ يحاصر المشرك والمكذب في زاوية بديهيات العقل؛ فهل يعقل في أي منطق أو فطرة أن يسوى المنعم الخالق لكل هذا الوجود بحجر صامت أو بشر مخلوق لا يملك خلق قطمير؟! ثم فرع عليه بالتوبيخ الثاني: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} للدلالة على أن القضية لا تحتاج إلى عناء بحث وتنقيب، بل يكفيها أدنى تذكر ويقظة فكرية ليعلم العاقل استحالة التسوية بين الخالق وغيره.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. استخدام البراهين العقلية البديهية في الدعوة: مخاطبة عقول الناس بالبديهيات والمسلمات المنطقية لإلزامهم بالحق؛ فالحق أبلج والباطل لجلج. 2. محاربة الشرك بجميع أشكاله الحديثة: الشرك ليس قاصراً على عبادة الأوثان الحجرية، بل يشمل التعلق بالأسباب المادية والأنظمة البشرية التي تجعل من دون الله حاكماً أو رازقاً؛ فكل من لا يخلق لا يستحق الخضوع المطلق. 3. تجريد التوحيد والولاء لله وحده: ترسيخ أن العبودية والتعظيم والتوكل لا تصرف إلا لمن بيده الخلق والتدبير سبحانه وتعالى.