خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
انتقل البيان الإلهي من استعراض الآفاق الكونية الكبرى (السموات والأرض) إلى استعراض نشأة الإنسان في عالم الأنفس؛ مظهراً عظيم قدرة الله في إيجاده من قطرة ماء مهينة، ومندداً بجهل الإنسان وجحوده حين يتحول بعد اكتمال قواه إلى مجادل بالباطل يخاصم ربه ويكذب بالبعث. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: "خلق الله الإنسان من نطفة مذرة قذرة، فرباه وأنبت لحمه وعظمه وشق سمعه وبصره، حتى إذا استوى على قدميه وبلغ أشده، كفر بربه وخاصمه، وجادل في البعث والتوحيد، وقال: من يحيي العظام وهي رميم؟". وروى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح عن بُسْر بن جحاش القرشي رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: قال الله تعالى: ابنَ آدم، أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟! حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدق! وأنّى أوان الصدقة؟!". وقال الإمام القرطبي: "النطفة: الماء القليل؛ والخصيم: الشديد الخصومة والجدال؛ والمبين: الذي يبين خصومته ويفصح عنها؛ والمعنى: خلق الإنسان من أضعف شيء وأمهنه، فإذا هو بعد تمام خلقه يصير شديد الخصومة لربه ومنازعة لرسله، وفي ذلك أعظم العجب من قدرة الله ومن جهل الإنسان".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى الإعجاز القرآني في التدرج التناسقي؛ فبعد خلق السموات والأرض (العالم الأكبر)، جاء إلى خلق الإنسان (العالم الأصغر) المودع فيه سر التكليف. وتأتي المفارقة الصادمة المعجزة باستعمال حرف الفجاءة {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}؛ لتبرز التناقض الصارخ بين "بداية النشأة المهينة" (نطفة ماء ضعيفة لا قوام لها ولا نطق) وبين "نهاية المآل الجاحد" (خصيم فصيح شديد الجدال واللدد يخاصم خالقه الذي أنشأه). والتعبير بـ {خَصِيمٌ} صيغة مبالغة تفيد تمكن صفة اللدد منه، ووصفه بـ {مُّبِينٌ} يبين أنه لا يستحي من إظهار كفره وتبجحه، فيالها من صورة بيانية تهز الوجدان الإنساني وتوقظه من غفلته.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. علاج الكبر والعجب في النفس البشرية: دوام استحضار أصل الخلقة يورث التواضع والانكسار بين يدي الله، ويحمي المسلم من الغرور بذكائه أو فصاحته. 2. تسخير نعمة البيان والفصاحة في نصرة الحق: اللسان والمنطق هبة من الله يجب أن تسخر في الدعوة إلى التوحيد والبيان عن شريعة الله لا في الجدال العقيم ومخاصمة أولياء الله. 3. البرهان الحي على البعث والنشور: الذي حول النطفة الميتة السائلة إلى إنسان عاقل سميع بصير قادر على إعادة بنائه بعد موته وتحوله إلى تراب من باب أولى.