تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام الطبري (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن عظيم سلطانه ونفاذ مشيئته وكمال قدرته التي لا يمتنع عليها شيء؛ والمعنى: ما أمرنا وخلقنا للشيء إذا أردنا إيجاده وإحداثه أو بعثه بعد فنائه وموته إلا أن نقول له: «كن» فيحدث ويكون كما أردنا دون كلفة ولا مشقة ولا معالجة ولا تراخٍ؛ فكيف يستبعد هؤلاء المشركون بعث الأموات وأمر الخلق والبعث عند الله يسير ككلمة واحدة؟
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه الآية الكريمة تقرر سرعة نفاذ القدرة الإلهية؛ فإنه تعالى لا يحتاج إلى تكرار الأمر ولا إلى أعوان، بل إذا أراد شيئاً إنما يأمر به مرة واحدة فيكون على الفور؛ كقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، وقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}؛ فبعث جميع الخلائق من الأولين والآخرين لا يكلفه سبحانه إلا أن يأمر به فيقوم الناس لرب العالمين في طرفة عين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) استدلال أئمة أهل السنة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى قديم غير مخلوق؛ إذ لو كان قوله «كن» مخلوقاً لاحتاج إلى قول ثانٍ، والقول الثاني يحتاج إلى ثالث، ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية وهو محال عقلاً؛ فثبت أن كلامه صفة ذاتية أزلية قائمة به تعالى، وبها يكوّن الكائنات ويوجد المعدومات.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر السعدي أن هذه الآية قطعت دابر الشبهات حول البعث؛ فالذي يوجد الكائنات العظيمة والسموات والأرض بأمره العلي النافذ بكلمة {كُن}، لا يتعذر عليه إعادة الأجساد بعد موتها؛ فالخلق والإعادة هينان مطلقاً على الله جل جلاله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
قَوْلُنَا: القول كلام الله تعالى الدال على إرادته التكوينية.
إِذَا أَرَدْنَاهُ: الإرادة صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، والمقصود إذا أردنا إيجاده وإبرازه من العدم إلى الوجود.
كُن: فعل أمر من كان التامة الدالة على الوجود والحدوث؛ أي احْدث ووُجِد.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة الجمهور: {فَيَكُونُ} برفع النون استئنافاً على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهو يكون)، أو معطوف على «نقول» بتقدير: فيكون هو.
قراءة ابن عامر والكسائي في رواية: {فَيَكُونَ} بنصب النون عطفاً على «أن نقول» لأنها في جواب إرادة الشيء أو بتقدير فاء السببية.
التوجيه الإعرابي:
إِنَّمَا قَوْلُنَا: «إِنَّمَا» كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر. «قَوْلُنَا» مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، و«نا» ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
لِشَيْءٍ: جار ومجرور متعلق بـ«قَوْلُنَا».
إِذَا أَرَدْنَاهُ: «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، «أَرَدْنَاهُ» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والهاء مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لـ«إذا».
أَن نَّقُولَ لَهُ: «أَن» حرف مصدري ونصب، «نَّقُولَ» فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، و«لَهُ» جار ومجرور متعلق بـ«نَّقُولَ»، والمصدر المؤول (قولنا) في محل رفع خبر المبتدأ «قَوْلُنَا».
كُن: فعل أمر تام مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة في محل نصب مقول القول.
فَيَكُونُ: الفاء استئنافية أو عاطفة، «يَكُونُ» فعل مضارع تام مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، والجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهو يكون) والجملة مستأنفة، أو معطوفة على «نقول».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما قرر الله وقوع البعث وأقسم المشركون على نفيه، ثم بين سبحانه الحكمة من إعادتهم، بيّن هنا الكيفية الإلهية المطلقة التي يتم بها الخلق والبعث؛ ليقطع دابر أي توهم بشري يقيس قدرة الخالق المطلقة على قدرة المخلوق العاجز؛ فما الإعادة إلا كلمة واحدة {كُن} فيكون كل شيء كما أراد سبحانه.
ذروة البرهان العقلي: النظم هنا بلغ الغاية في الحجة؛ حيث نقل القضية من دائرة الجدل حول جمع العظام وتفتت الأجساد إلى دائرة سلطان الإرادة والقدرة التي تخلق العالم كله بكلمة واحدة، فكيف يصعب عليها إعادة أجساد فانية؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يخاطب المعدوم بالأمر {كُن} قبل وجوده؟: قد يقول طاعن: الخطاب بـ«كن» يقتضي وجود مخاطَب، والمعدوم لا وجود له فكيف يقال له كن؟
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التمثيل والتقريب لعقول البشر: جمهور أهل العلم والمحققين قرروا أن التعبير بـ{كُن فَيَكُونُ} هو تصوير بديع لسرعة نفاذ القدرة الإلهية وخضوع الكائنات التام لإرادة الله، وتنزيه له عن الحاجة إلى آلات أو معالجة أو تعب؛ فالأمر شبيه في فهم البشر بمن يوجه أمره إلى مطيع لا يتردد لحظة، وليس المراد وجود صوت وحرف يتلقاه المعدوم المستحيل.
حضور الشيء في علم الله وإرادته: الشيء وإن كان معدوماً في الخارج والحس، إلا أنه متصور ومحدد في علم الله الأزلي ومشيئته؛ فتوجه الإرادة إلى إبرازه يعبر عنه بالأمر التكويني {كُن}، فيفيض عليه الوجود فوراً؛ فلا تناقض عقلي في هذا النظم المعجز.
أسلوب القصر بـ{إِنَّمَا} لحصر شأن الإيجاد والتكوين في مجرد تعلق الإرادة والقول؛ لنفي أي شبهة عجز أو حاجة للأسباب المادية المألوفة للبشر.
إطلاق لفظ {شَيْءٍ} منكراً للدلالة على العموم البالغ؛ فكل ما يقع عليه اسم «شيء» جليلاً كان أو حقيراً، ذرة أو مجرة، خلقه وإعادته عند الله بكلمة «كن».
الإيجاز بالحذف والإضمار في جواب القول بكلمة واحدة ذات حرفين {كُن}، لتمثيل سرعة النفاذ التام الذي لا يتخلف عنه الوجود طرفة عين.
الإشارة والتدبر الإيماني: إذا كانت كلمة واحدة من الله توجد العوالم وتبعث الأمم، فما عسى أن يصعب على الله من تفريج كربات العبد، أو تبديل أحواله، أو هداية قلبه؟ فالمؤمن يتعلق بالقادر الذي أمره بين الكاف والنون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ التوحيد في باب القدرة والخلق؛ وتجريد القلوب من التعلق المادي المحض بالأسباب، مع الأخذ بها عبودية لله، واليقين بأن مسبب الأسباب قادر على خرقها بكلمة.
التطبيق العملي: استحضار عظمة كلمة «كن» عند الدعاء والاضطرار؛ فيقبل العبد على ربه بقلب ملؤه اليقين بأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
الوجدان الإيماني: الخضوع والانكسار بين يدي الملك الجبار الذي خضعت لقوله الكائنات، وامتلأت النفوس بالرهبة والخشوع لجلال عظمته ونفاذ سلطانه.