تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يعدد نعمه الاجتماعية والأسرية الكبرى على خلقه؛ والمعنى: والله سبحانه هو الذي جعل لكم من جنسكم وبني جلدتكم وبشريتكم نساءً وزوجات تأنسون إليهن وتسكنون معهن، وجعل لكم من هؤلاء الأزواج بنين تقر بهم أعينكم، وحفدة وهم أولاد البنين، وقيل: الأصهار وأعوان الرجل وخدمه من ذريته وأقاربه؛ ورزقكم من الثمار والزروع والأطعمة والأنعام والملاذ الحلال الطيبة؛ فكيف بعد كل هذا الإنعام يؤمنون بالباطل وهو عبادة الأصنام والشياطين وتصديق الكهنة، وبنعمة الله التي تغمرهم من كل جانب يكفرون ويجحدون؟!
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) عظيم نعمة النكاح والذرية؛ فخلق الزوجات من جنس البشر (كما خلق حواء من آدم وبنات حواء من نطف بني آدم) من أبلغ النعم، ولو جعلهن من جنس آخر كالجن أو البهائم لما حصلت المودة والسكن؛ ثم رزقهم البنين وأولاد البنين وهم الحفدة؛ وروي عن ابن عباس ومجاهد أن الحفدة هم الأصهار والخدم والذرية الذين يحفدون للرجل أي يخدمونه ويسارعون في طاعته؛ ثم رزقهم الطيبات من الرزق؛ فأنكر عليهم إيمانهم بالباطل وكفرانهم بنعم الله المتكاثرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الحَفَدة»؛ فالحَفْد في لغة العرب هو السرعة في الخدمة والعمل، ومنه قول القانت في دعاء الوتر: «وإليك نسعى ونَحْفِد» أي نسارع ونخدم؛ ولذا قيل: الحفدة هم أولاد الأولاد، أو بنو المرأة من زوج سابق لكونهم يخدمون الزوج، أو الأعوان والأصهار عموماً. ويقرر أن الآية أصل في مشروعية النكاح وطلب الذرية الصالحة والاعتراف بالنعمة الأسرية.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن النعم الأسرية المذكورة في هذه الآية هي قوام السعادة الدنيوية واستقرار المجتمعات؛ فالسكن الزوجي، والذرية المتعاقبة، والرزق الطيب، كلها من فضل الله الخالص؛ فكان مقتضى ذلك إخلاص التوحيد له، والمفارقة القاطعة للأصنام الباطلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَزْوَاجًا: جمع زوج، والزوج يطلق على الرجل والمرأة؛ والمراد هنا النساء الزوجات، و«من أنفسكم» أي من جنسكم الآدمي.
حَفَدَةً: جمع حافد، وهو المسرع في الخدمة والطاعة والبر، ويطلق غالباً على أسباط الرجل وأولاد بنيه وبناته.
الطَّيِّبَاتِ: ما طاب ولذ وطهر وحل من الأطعمة والأشربة والمكاسب.
التوجيه الإعرابي:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم: الواو عاطفة أو استئنافية، «اللَّهُ» مبتدأ، «جَعَلَ» فعل ماض والجملة خبر، «لَكُم» متعلق بـ«جَعَلَ».
مِّنْ أَنفُسِكُمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «أَزْوَاجًا»، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
أَزْوَاجًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَجَعَلَ لَكُم: معطوف على ما قبله.
مِّنْ أَزْوَاجِكُم: متعلق بمحذوف حال مقدمة من بنين.
بَنِينَ وَحَفَدَةً: «بَنِينَ» مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، الواو عاطفة، «حَفَدَةً» معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
هُمْ يَكْفُرُونَ: «هُمْ» ضمير فصل أو ضمير منفصل مبتدأ وجملة «يَكْفُرُونَ» خبره، أو فاعل مؤكد لضمير الجماعة، والتقديم مع الضمير يفيد الحصر والتشنيع؛ أي بنعمة الله بالذات هم يخصونها بالكفران!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تدرج النظم القرآني في عرض النعم من الآفاق العامة إلى النفس الذاتية (الآية 70)، ثم إلى المال والمعاش (الآية 71)، ووصل هنا إلى ذروة النعيم الإنساني: «الأسرة والذرية والسكينة البيتية»؛ لبيان أن كل دائرة من دوائر وجود الإنسان محاطة بنعم الله التي تستوجب التوحيد الخالص.
المقابلة التناظرية في ختام الآية: قابل بين الإيمان بالباطل والكفران بالنعمة: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}؛ ليوضح الانتكاس المعرفي والأخلاقي التام لديهم، حيث آمنوا بما حقه الإنكار (الأصنام والشرك)، وكفروا بما حقه التصديق والشكر (نعم الله المنزلة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقدم الجار والمجرور مع ضمير الفصل {وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التقديم هنا مع إقحام الضمير {هُمْ} يمثل ذروة البلاغة الإعجازية؛ لإفادة الحصر والتوبيخ العظيم والتعجيب من حالهم؛ كأنه يقول: ما كان ينبغي لعاقل أن يكفر بالنعمة أصلاً، فإذا بهؤلاء يختصون نعمة الله العظمى بالذات بالكفر والجحود، ويؤمنون بالأوهام الباطلة التي لم تنعم عليهم بقطرة ماء ولا ذرية ولا رزق! فاجتمع في نظم الآية التعجيب والحصر والتقريع الصاعق.
التعبير بـ{مِّنْ أَنفُسِكُمْ} المشعر بالألفة والانسجام التام وكمال المجانسة النفسية والجسدية بين الزوجين.
الجمع بين {بَنِينَ وَحَفَدَةً}؛ للدلالة على استمرار النعمة عبر الأجيال وامتداد البركة والخدمة والسرور في البيت المسلم.
التعبير بـ{الْبَاطِلِ} في مقابلة {نِعْمَتِ اللَّهِ}؛ لتجريد الشرك والأصنام من أي حقيقة أو قيمة، فهو باطل زائل لا حقيقة له في عالم العقل والواقع.
الإشارة والتدبر الإيماني: الأسرة في الإسلام مظهر من مظاهر التوحيد ومحض نعمة إلهية؛ فالزواج وسكنه والذرية وبرها ليست مجرد غرائز بيولوجية، بل هي آيات ربانية تستوجب استحضار شكر المنعم وتوجيه الأبناء نحو طاعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: رعاية النواة الأسرية وتنشئة الذرية على التوحيد وبر الوالدين والخدمة الصالحة؛ فالحفدة الصالحون امتداد لأجر العبد بعد موته.
التطبيق العملي: حسن العشرة بين الزوجين، والإنفاق على الأهل من المكاسب الحلال الطيبة، والاستعاذة من كفران النعم الزوجية والأسرية.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بالامتنان والشكر للرب الوهاب الذي جعل للعبد بيتاً وسكناً وأزواجاً وبنين ورزقاً طيباً، والبراءة الصادقة من كل باطل وشرك.