يواصل الحق سبحانه تعداد صفات إبراهيم عليه السلام، واصفاً إياه بأعظم صفات أولي العزم؛ وهي الشكر التام لنعم الله، فكان جزاؤه أن اصطفاه الله لرسالته وخلته، وهداه إلى الصراط المستقيم.
تفسير الطبري (14/ 366)مصدر غير محدد١٤/٣٦٦: يقول ابن جرير: كان إبراهيم شاكراً لأيادي الله ونعمه التي أنعم بها عليه، مخلصاً له الحمد باللسان والعمل، فلما كان كذلك، اختاره ربه واصطفاه للرسالة والخلة، ووفقه للطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام.
تفسير ابن كثير (4/ 612)مصدر غير محدد٤/٦١٢: يربط ابن كثير بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ}؛ فإبراهيم عليه السلام قام بجميع ما أمره الله به، وأدى شكر نعم ربه في كل موطن؛ في دعوته لأبيه وقومه، وفي إلقائه في النار، وفي هجرته، وفي ذبح ولده، فكان الشاكر حقاً في كل محنة ومنحة.
القرطبي (10/ 199)مصدر غير محدد١٠/١٩٩: يذكر القرطبي أن الشكر قيد النعمة، وأن إبراهيم أوتي النبوة والخلة جزاء شكره ووفائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الأنعم: جمع قلة لنعمة، واستعماله هنا إشارة إلى أنه عليه السلام كان يشكر القليل من النعم فكيف بالكثير! أو للدلالة على أنه لم يغادر نعمة صغرت أم كبرت إلا وقابلها بالشكر.
الاجتباء: الاختيار والاصطفاء، وأصله من جبيت الشيء إذا حزته وجمعته لنفسك خالصاً.
إعراب {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ}:
{شَاكِرًا}: خبر رابع لـ {كَانَ} منصوب بالفتحة (أو حال من الضمير في حنيفاً، أو نعت لـ أمة).
{لِّأَنْعُمِهِ}: اللام حرف جر لتقوية التعدية، أو للتعليل، {أَنْعُمِهِ}: اسم مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ {شَاكِرًا}.
{اجْتَبَاهُ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة مستأنفة أو حالية أو صفة.
{مُّسْتَقِيمٍ}: نعت لـ {صِرَاطٍ} مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوافق المعجز مع موضوع سورة النحل: سورة النحل سميت سورة النعم لكثرة ما أفاضت في تفصيل آلاء الله، والهدف الأسمى من ذكر النعم هو استخراج عبودية الشكر؛ فلما ضرب المثل بالقرية التي كفرت بأنعم الله فهلكت، جاء بالقدوة المطلقة إبراهيم عليه السلام واصفاً إياه بـ {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ}؛ ليبرز التناقض الصارخ بين مسلك الجاحدين ومسلك الخليل المعظم.
ترتيب الجزاء على الشكر: رتب الله الاصطفاء والهداية على الشكر:
الشكر: {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ}.
الاصطفاء الإلهي: {اجْتَبَاهُ}.
التثبيت على الحق: {وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
فأكد النظم أن الشكر مفتاح كل اصطفاء وهداية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعبير بجمع القلة {أَنْعُمِهِ} مع عظم نعم الله:
لماذا قال {لِّأَنْعُمِهِ} وهو جمع قلة، ونعم الله لا تحصى كما قال في السورة نفسها: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}؟
السر البلاغي والتحقيق: جمع القلة هنا مقصود لنكتة بيانية بالغة؛ وهي أن إبراهيم عليه السلام كان يبادر إلى شكر النعم القليلة والدقيقة ولا يحتقر نعمة أبداً؛ ومن شكر القليل كان للكثير أشكر؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير». وقيل: الأنعم هنا أريد بها جنس النعم فيعم القليل والكثير بحسب الإضافة إلى ضمير الجلالة.
صيغة اسم الفاعل في {شَاكِرًا}: تدل على ثبوت الوصف واستقراره ورسوخه فيه عليه السلام، حتى صار الشكر له سجية وهجيراً لا ينفك عنه.
التنكير في {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: للتعظيم والتفخيم؛ أي إلى طريق عظيم لا عوج فيه ولا اضطراب، يوصل سالكه إلى رضوان الله وجناته بأقصر مسار.
الإشارة والتدبر: الشكر ليس مجرد لقلقة لسان؛ بل هو انفعال قلبي واعتراف عقلي وتصريف عملي للجوارح في مرضاة المنعم؛ وبقدر شكر العبد يكون نصيبه من الاجتباء والهداية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الخلق بنعم الله وربطهم بشكرها؛ فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، ومفتاح دعوة الناس يبدأ من لفت أنظارهم إلى نعم الله المستفيضة في ذواتهم وآفاقهم.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على استحضار النعم الدقيقة في الحياة اليومية والشكر عليها؛ فشكر جرعة الماء ولقمة الطعام يفتح أبواب البركات والسكينة.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب العبد بالامتنان والشوق إلى ربه المنعم، مستشعراً أن كل هداية يوفق إليها هي ثمرة من ثمار لطف الله واجتبائه.