تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة في سبب نزول هذه الآية؛ أن مشركي قريش لما بهرتهم بلاغة القرآن وعجزوا عن معارضته بمثله، لجأوا إلى فرية داحضة؛ فقالوا: إنما يعلم محمداً هذا القرآن غلامٌ رومي نصراني أعجمي بمكة (قيل اسمه بلعام، وقيل يعيش، وقيل جبر غلام ابن الحضرمي كان نصرانياً يقرأ التوراة والإنجيل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر به أحياناً فيسمع منه أو يدعوه للإسلام)؛ فأنزل الله رداً حاسماً يبطل جهلهم وسفاهتهم: ولقد نعلم أنهم يطلقون هذه المقالة الباطلة؛ ولكن كيف يعلمه هذا الغلام الأعجمي ولسان ذلك الرجل الذي يلحدون ويميلون بدعواهم إليه ألكن أعجمي لا يحسن النطق بالعربية ولا يفقه أسرارها، وهذا القرآن العظيم لسان عربي مبين في ذروة الفصاحة والبيان والبلاغة التي عجز عنها فصحاء قريش وفرسان البيان قاطبة؟! فهل يعلم الأعجمي فصحاء العرب لغتهم المعجزة؟!
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا يفضح هذه الفرية الساقطة للمشركين؛ حيث عجزت قريش وفصحاؤها وخطباؤها وشعراؤها عن الإتيان بسورة من مثله، فكيف يدعون بعد هذا العجز المطبق أن رجلاً أعجمياً نصرانياً لا يحسن العربية هو الذي علم محمداً هذا النظم المعجز الذي حير عقول البلغاء؟! فهذا من أفسد الكلام عقلاً وواقعاً؛ كقوله تعالى: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}؛ والإلحاد هنا هو الميل، من ألحد إذا مال وانحرف.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الأعجمي» و«المبين»؛ فالأعجمي هو الذي لا يفصح ولا يبين في لسان العرب، سواء كان من أصل غير عربي أو كان عربياً ألكن؛ والمبين هو الفصيح المظهر للمعاني بأبلغ عبارة؛ ويبين القرطبي أن هذا الرد القرآني الصاعق يمثل دليلاً عقلياً قطعياً على إعجاز القرآن واستحالة صدوره من غير الوحي الإلهي.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الشبهة تكشف مدى إفلاس قريش الفكري وتخبطهم؛ فالعاقل لا يقبل أن يكون معلم أفصح كتاب معجز رجلاً أعجمياً رقيقاً لا يفقه أساليب العربية؛ فثبت أن ادعاءهم كان عناداً ومكابرة يعلمون في قرارة نفوسهم بطلانها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يُلْحِدُونَ: الإلحاد الميل والانحراف والعدول عن الاستقامة، ومنه لحد القبر لميله إلى جهة.
أَعْجَمِيٌّ: العجمة الإبهام وعدم الإفصاح، والأعجمي من في لسانه عجمة ونقص في البيان العربي.
قراءة حمزة والكسائي: {يَلْحَدُونَ} بفتح الياء والحاء من الفعل الثلاثي «لَحَدَ».
قراءة الجمهور: {يُلْحِدُونَ} بضم الياء وكسر الحاء من الرباعي «أَلْحَدَ»، وهما لغتان فصيحتان بمعنى يميلون وينسبون.
التوجيه الإعرابي:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، «قد» حرف تحقيق، «نَعْلَمُ» فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره نحن.
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: «أَنَّ» حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها والميم للجمع، وجملة «يَقُولُونَ» خبر أن، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي نعلم.
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ: «إِنَّمَا» كافة ومكفوفة، «يُعَلِّمُهُ» فعل مضارع والهاء مفعول به، «بَشَرٌ» فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب مقول القول.
لِّسَانُ الَّذِي: «لِّسَانُ» مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، «الَّذِي» اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، «إِلَيْهِ» متعلق بـ«يُلْحِدُونَ»، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن اتهموه في الآية (101) بالافتراء فقالوا: {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}، ذكر هنا تفصيل شبهتهم العريضة وتحديدهم لمن زعموا أنه يعلمه القرآن؛ فجاء الرد القرآني بنسف الشبهة بميزان اللسان والبيان واللغة التي هي ميدان التحدي الأول والأعظم.
المقابلة الصاعقة بين اللسانين: قابل النظم مقابلة حاسمة بين:
{لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}: في منتهى اللكنة والقصور والعجمة.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستشراق المعاصر حول اقتباس القرآن من أهل الكتاب: يكرر المستشرقون والمنصرون اليوم شبهة كفار قريش عينها؛ زاعمين أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن من بحيرا الراهب أو ورقة بن نوفل أو غلام رومي.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
رد القرآن الخالد في هذه الآية كافٍ وشافٍ في هدم هذه الشبهة قديماً وحديثاً:
أولاً: «الاستحالة اللغوية والبيانية»؛ فالعلم بالشيء لا يعني القدرة على صياغته في هذا القالب البياني المعجز الذي تحدى به الله فصحاء العرب وبلغاءهم فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة من مثله؛ فكيف يستطيع غلام أعجمي أو راهب نصراني لا يحسن العربية صياغة هذا النظم القرآني الفريد؟!
ثانياً: «التفوق والمهيمنة المعرفية»؛ فالقرآن لم ينقل قصص التوراة والإنجيل المشوهة والمحرفة، بل جاء مصححاً ومهيمناً وناقداً لما فيها من شرك ونسبة النقائص للأنبياء ولله تعالى؛ فكيف ينقل التلميذ عن معلمه عقيدة تناقض عقيدة معلمه وتصحح أخطاء كتبه؟! فهذا برهان قاطع على أنه وحي من لدن حكيم حميد.
تصدير الآية بالقسم والتحقيق {وَلَقَدْ نَعْلَمُ}؛ لإشعارهم بأن الله محيط بأدق مؤامراتهم وهمساتهم الخفية ولا يخفى عليه كيدهم.
التعبير بالفعل {يُلْحِدُونَ} المشعر بالانحراف والميل والتعسف؛ فهم تعسفوا ومطوا أعناق الحيل ليربطوا بين النبي وذلك الأعجمي عجزاً عن مواجهة الحجة.
الإشارة بـ{هَٰذَا} للقريب المشهود؛ كأنه يضع القرآن بين أيديهم وأمام أسماعهم ليحاكمهم بذوقهم العربي وفصاحتهم المشهودة.
الإشارة والتدبر الإيماني: شرف اللسان العربي بنزول القرآن؛ اصطفى الله اللغة العربية لتكون وعاء لكتابه الخاتم بما تحمله من سعة ودقة وبلاغة وبيان؛ فالمسلم يعتز بلغته العربية ويتعلمها ليتذوق بها أسرار كلام ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنمية التفكير النقدي لدى الأجيال لمواجهة الشبهات الإعلامية والفكرية الهدامة؛ فبيان التناقض العقلي الداخلي للشبهة هو أقصر الطرق لإسقاطها.
التطبيق العملي: العناية بتعلم اللغة العربية الفصحى وقواعدها وبلاغتها؛ لأن فهم القرآن وتدبره ودفع الشبهات عنه متوقف على إتقان هذا اللسان العربي المبين.
الوجدان الإيماني: اليقين الراسخ بمصدرية القرآن الربانية، والامتلاء بالفخر بهذا الوحي المعجز الذي تحدى البشرية قاطبة على مر العصور.