تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن اللام في قوله: {لِيُبَيِّنَ} لام التعليل متعلقة بمحذوف دل عليه قوله السابق {بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}؛ والتقدير: يبعثهم الله ليتبين لهم في يوم القيامة الحق الذي كانوا يختلفون فيه في دار الدنيا من التوحيد والبعث ورسالة الرسل، وليعلم الذين كفروا وجحدوا آيات الله حين يعاينون العذاب ويشاهدون الحقائق أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم ودعاويهم وأساطيرهم.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى يذكر الحكمة والغاية العظيمة من إعادة العباد وبعثهم بعد موتهم؛ وهي فصل القضاء بينهم وإظهار الحق الذي وقع فيه التنازع والاختلاف بين الرسل وأتباعهم من جهة والمكذبين من جهة أخرى، وليشهد الكافرون على أنفسهم بالكذب في الدنيا حين أنكروا البعث وأشركوا بالله؛ كقوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن هذا البيان الإلهي يوم القيامة بيان علم ويقين ومشاهدة يزول معه كل التباس، فتتحول المعرفة الاستدلالية إلى معاينة اضطرارية تنقطع معها الشبه؛ ويظهر كذب الكافرين على رؤوس الأشهاد فضيحة لهم وخزياً على ما افتروه على الله ورسله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يبين الشيخ السعدي أن القيامة هي ميعاد فصل الخصومات وإحقاق الحقائق؛ ففي الدنيا تختلط الأمور ويدعي أهل الباطل أنهم على الهدى ويحلفون على باطلهم، أما في يوم البعث فيبين الله للخلائق كلها الحق من الباطل، ويتميز أولياء الله من أعدائه، ويعلم الكفار علم يقين لا شك فيه أنهم كانوا كاذبين في كل ما تبنوه من عقائد زائفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
لِيُبَيِّنَ: البيان هو الإيضاح والكشف عن حقيقة الشيء وإظهاره للنواظر والعقول بعد خفائه.
يَخْتَلِفُونَ: الاختلاف ضد الاتفاق، وهو ذهاب كل فريق إلى رأي أو معتقد مناقض للآخر.
كَاذِبِينَ: جمع كاذب، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع نفياً أو إثباتاً.
التوجيه الإعرابي:
لِيُبَيِّنَ: اللام لام التعليل، «يُبَيِّنَ» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بفعل محذوف تقديره (يبعثهم).
الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ: «الَّذِي» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ«يُبَيِّنَ»، وجملة «يَخْتَلِفُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، «فِيهِ» جار ومجرور متعلق بـ«يَخْتَلِفُونَ».
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا: الواو عاطفة، اللام لام التعليل، «يَعْلَمَ» فعل مضارع معطوف على «يُبَيِّنَ» منصوب بالفتحة الظاهرة، «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل رفع فاعل، وجملة «كَفَرُوا» صلة الموصول.
أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ: «أَنَّ» حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها، «كَانُوا» فعل ماض ناقص والواو اسمه، «كَاذِبِينَ» خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي «يَعْلَمَ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أثبت الله تعالى البعث ورده على المشركين بـ{بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}، كان من تمام البرهان العقلي بيان الحكمة الغائية من هذا البعث؛ إذ العبث منزه عن فعل الحكيم، فجاء التعليل بـ{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} ليبرز أن البعث ضرورة عقلية وأخلاقية لفصل الخصومات ومحاكمة أهل الباطل وكشف كذبهم.
الارتباط الدقيق بالآية السابقة: هم حلفوا: {لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ}؛ فجاءت القيامة لتثبت كذبهم في هذا القسم بالذات وفي سائر افتراءاتهم على الله، فصار الجزاء الأخروي فضيحة علمية وواقعية لكذبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لا يبين الله الحق في الدنيا بياناً يضطرهم للإيمان بدل تأجيله للآخرة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الدنيا دار تكليف وابتلاء، والابتلاء يقتضي أن يكون الإيمان بالغيب اختيارياً مبنياً على الدليل والبرهان العقلي؛ فلو ظهرت الحقائق عياناً وشوهدت الملائكة وعاين الناس النار والجنة في الدنيا لارتفع الابتلاء، وصار الإيمان اضطرارياً كإيمان الغارق عند الموت الذي لا قيمة له شرعاً؛ كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}.
إقامة الحجة في الدنيا بالبينات والرسل كافية تماماً للعاقل المنصف، وتأجيل كشف الغطاء المطلق والحساب إلى الدار الآخرة هو مقتضى الحكمة في إعطاء المهلة للظالم ليتوب، وإعطاء الفرصة للمحسن ليزداد إحساناً، فإذا جاء يوم الحساب كان البيان القهري عذاباً نفسياً ومحاكمة تامة للمكذبين.
استخدام صيغة الاستمرار والماضي في {كَانُوا كَاذِبِينَ}؛ لبيان أن الكذب لم يكن عارضاً في حياتهم بل كان صفة راسخة متأصلة في سلوكهم وعقيدتهم.
المقابلة المعنوية بين {يَخْتَلِفُونَ} في الدنيا وبين ظهور العلم الجازم {وَلِيَعْلَمَ} في الآخرة؛ حيث تنمحي كل الشكوك والافتراءات أمام سلطان الحقيقة.
إسناد العلم إليهم {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا} اعترافاً قسرياً منهم ببطلان ما كانوا عليه، وهو أبلغ في تبكيتهم وحسرتهم من أن يُقال: ليُعْلِمَهم الله.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم الفضائح يوم القيامة أن يقف الكاذب المفتري أمام ربه وقد تكشفت كل الحجب، فيرى بأم عينيه صدق ما حاربه في الدنيا وزيف ما دافع عنه؛ فعلى المؤمن أن يستمسك بالحق ولو خالفه أكثر أهل الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ الصدق والتحري في القول والاعتقاد؛ فالكذب في أمور العقيدة والدين أعظم المهالك، وعاقبته انكشاف الحقيقة المخزية يوم تبلى السرائر.
التطبيق العملي: الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الاختلاف في الدنيا قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما وافق الحق؛ كما قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.
الوجدان الإيماني: شعور العبد بالطمأنينة إلى أن الحق لن يضيع، وأن المظلوم والمكذب سيلقى كل منهما جزاءه العادل حين يفصل الله بين عباده بحكمه الذي لا جور فيه.