تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن المشركين لما أفلست حجتهم وانقطعت براهينهم أمام دعوة التوحيد، لجأوا إلى الاحتجاج بالقدر على باطلهم؛ فقالوا: لو شاء الله أن نكون موحدين ولا نعبد الأوثان، ولا نحرم ما حرمنا من البحيرة والسائبة والوصام والحام، لما فعلنا شيئاً من ذلك نحن ولا آباؤنا؛ وظنوا بمقالتهم هذه أن المشيئة تعني الرضا والإقرار. فرد الله عليهم بقوله: {كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ أي بمثل هذه الشبهة الباطلة كذب من قبلهم رسلهم حتى نزل بهم البأس، ولو كان القدر عذراً لهم لما عذبهم الله بإهلاكهم. ثم طمأن رسوله: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}؛ أي ليس عليك إلا إيصال الرسالة بوضوح وجلاء، وليس عليك هداية من كتب الله شقاوته باختياره الضلالة.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذه مقالة الجبرية من المشركين الذين احتجوا بالمشيئة على الشرك والمعاصي؛ وقد رد الله عليهم في آيات كثيرة كقوله في الأنعام: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا...}، وبين أن مشيئة الله الكونية العامة لا تدل على محبته ورضاه الشرعي؛ فإن الله يشاء وقوع الكفر كونا ولا يحبه ولا يرضاه شرعاً، كما قال: {وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}. وقد بين الله الحجة بإرسال الرسل، ولذا قال: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، فلو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لم يكن لإرسال الرسل وجه ولا حكمة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) استدلال علماء أهل السنة بهذه الآية على إبطال حجة من احتج بالقدر على المعاصي؛ فإن المشركين قالوا ذلك استهزاءً وجدلاً باطلاً، فلو كان القدر حجة لما استحقوا اللوم والعقوبة التي توعدهم الله بها ولما قال: {كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} محذراً إياهم من مصير المتقدمين.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر السعدي أن هذا الاحتجاج من أفسد الحجج وأبطلها؛ إذ جمعوا بين ارتكاب الشرك والتحريم بغير علم، ثم نسبوا ذلك إلى إرادة الله احتجاجاً بها على صحة أفعالهم. والحال أن الرسل بلغوهم البلاغ المبين الذي يقطع كل شبهة، ولم يدعوا لأحد حجة على الله، فتبين أنهم معاندون لا طالبو حق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
لَوْ: حرف امتناع لامتناع، تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط عند النحاة؛ أي امتنع عدم عبادتنا لغيره لامتناع مشيئته لذلك بزعمهم الباطل.
مِن شَيْءٍ: «مِن» لاستغراق الجنس وتأكيد النفي؛ أي ما عبدنا أي معبود مهما قل شأنه أو عظم.
الْبَلَاغُ الْمُبِينُ: البلاغ هو التبليغ والإيصال، و«المبين» اسم فاعل من أبان، أي الموضح للحق المظهر للدلائل الفاصل بين الهدى والضلال.
التوجيه الإعرابي:
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: الواو استئنافية، «قَالَ» فعل ماض مبني على الفتح، «الَّذِينَ» اسم موصول فاعل، وجملة «أَشْرَكُوا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
لَوْ شَاءَ اللَّهُ: «لَوْ» حرف شرط غير جازم، «شَاءَ» فعل ماض مبني على الفتح، «اللَّهُ» فاعل مرفوع بالضمة، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (لو شاء الله عدم عبادتنا).
مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: «مَا» نافية، «عَبَدْنَا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، «مِن دُونِهِ» جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «شَيْءٍ»، «مِن شَيْءٍ» من حرف جر زائد لتأكيد الاستغراق، «شَيْءٍ» اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به لـ«عَبَدْنَا»، والجملة جواب شرط «لو» لا محل لها من الإعراب.
نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا: «نَّحْنُ» ضمير منفصل مبني في محل رفع توكيد للضمير «نا» في «عَبَدْنَا»، الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي، «آبَاؤُنَا» معطوف على الضمير المرفوع، و«نا» مضاف إليه.
وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ: عطف على جملة «ما عبدنا»، وإعرابها مماثل لها تماماً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أورد القرآن استهزاء المشركين وعنادهم وحذرهم من حلول المثلات بهم، ذكر هنا أرذل شبههم الفكرية وأسقطها، وهي خلطهم بين المشيئة الكونية والرضا الشرعي للتهرب من المسؤولية؛ فكشف زيف حجتهم وبين أنها شنشنة مكرورة من الأمم البائدة.
الارتباط بما بعدها في الآية (36): جاءت هذه الآية توطئة للآية الحاسمة بعدها: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، والتي تمثل الرد المباشر القاطع على زعمهم أن الله لم ينههم عن عبادة غيره؛ فإن بعثة الرسل في كل أمة بالنهي عن الطاغوت تبطل دعواهم بالكلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالقدر على الكفر والمعاصي (شبهة الجبر المشركية): زعم المشركون أن وقوع الشرك منهم وتحريمهم للبحائر والسوائب بمشيئة الله دليل على أنه راضٍ بذلك، فلو كرهه لمنعهم قهراً.
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: الإرادة الكونية هي المشيئة العامة المحيطة بكل موجود؛ فلا يقع في ملك الله ما لا يشاء، لحكمته البالغة في خلق الأضداد والابتلاء. أما الإرادة الشرعية فهي ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به؛ فليس كل ما وقع كونا يكون مرضياً شرعاً. فالكافر يقع منه الكفر بمشيئة الله الكونية التي منحته القدرة والاختيار، ولكن الله يبغض كفره وينهى عنه ويعاقبه عليه.
بطلان الاحتجاج بالقدر عقلاً وواقعاً: لو كان القدر حجة تسقط اللوم والعقاب، لما جاز للمشركين أن يعاقبوا من يعتدي على أموالهم أو أعراضهم؛ فإن قال المعتدي: «قدر الله علي أن أسرق مالك»، لم يقبلوا عذره بل عاقبوه! فكيف يجعلون القدر عذراً في حق الله وجنايتهم على التوحيد، ولا يجعلونه عذراً في حقوق أنفسهم؟ فهذا تناقض عقلي فاضح يكشف أن شبهتهم لم تكن ديانة ولا قناعة بل مكابرة وجدلاً.
إرسال الرسل ناقض للحجة: لو كان الله يرضى شركهم لما أرسل الرسل بالبينات ناهين عن الشرك ومتوعدين عليه بالنار، فثبت بطلان زعمهم عقلاً ونقلاً.
تكرار النفي بـ«من» الزائدة {مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} مرتين، للدلالة على المبالغة في الادعاء واستغراق كل جنس الشرك والتحريم.
التوكيد بالضمير المنفصل {نَّحْنُ} بعد الضمير المتصل «نا»، ثم عطف {وَلَا آبَاؤُنَا} لإظهار استنادهم إلى التقليد الأعمى الموروث.
حصر وظيفة الرسل في {الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}؛ وهو أسلوب قصر ينفي عن الرسل مسؤولية إجبار الناس على الإيمان، ويؤكد كمال قيامهم بالبيان الذي تنقطع معه كل حجة.
الإشارة والتدبر الإيماني: الاحتجاج بالقدر على الذنوب حيلة النفس الأمارة بالسوء لتبرير انحرافها والهروب من وخز الضمير والمسؤولية؛ أما المؤمن الصادق فيؤمن بالقدر في المصائب، ويستغفر من المعايب، ويعلم أن الأمر والنهي هما ميدان الامتحان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تحصين العقول والناشئة من فكر الجبرية والانهزامية العقدية؛ فلا يجوز لمسلم أن يبرر تقصيره أو ذنبه بالقدر، بل عليه أن يتحمل مسؤوليته الكاملة عن اختياراته.
التطبيق العملي: التركيز في الدعوة إلى الله على «البلاغ المبين» بالحكمة والموعظة الحسنة، دون أن يحمل الداعية هم إجبار الناس أو تحويل قلوبهم، فإن الهداية التوفيقية بيد الله وحده بعد قيام الحجة.
الوجدان الإيماني: تعظيم مقام الربوبية وتنزيه الله عن الرضا بالشر والفساد، والامتلاء بالثقة في عدالة التكليف الإلهي وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يعاقب إلا على ما اكتسبته الإرادة البشرية الحرة.