يضع الله جل جلاله في هذه الآية الجامعة المعالم الكلية والمنهج القويم للدعوة إلى دينه وصراطه المستقيم؛ متدرجاً بالمراتب الثلاث بحسب أحوال المدعوين وطبقاتهم العقلية والنفسية.
تفسير الطبري (14/ 372)مصدر غير محدد١٤/٣٧٢: يروي ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ادع يا محمد الناس إلى دين الله وشرعه الذي شرعه لعباده بالحكمة، وهي ما أنزل الله عليك من الكتاب والسنة والحجة القاطعة المبينة للحق، وبالموعظة الحسنة، وهي التذكير بالترغيب والترهيب والآلاء والنعم بما يرقق القلوب، وجادل من نازعك وخاصمك بالحجة التي هي أحسن؛ بالرفق واللين والصفح وحسن الخلق دون فحش أو غلظة.
تفسير ابن كثير (4/ 614)مصدر غير محدد٤/٦١٤: يقرر ابن كثير أن الآية منهج رباني خالد لكل داعية؛ فالحكمة لأهل البصائر والعقول الراجحة الذين يطلبون البرهان المجرد، والموعظة الحسنة لعوام الناس الذين تغلب عليهم العاطفة ويحتاجون إلى زواجر ورغائب تلين طباعهم، والجدال بالتي هي أحسن لمن عاند أو التبست عليه الشبهات؛ ليدفع باطله برفق كما أمر الله موسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}.
القرطبي (10/ 204)مصدر غير محدد١٠/٢٠٤: يذكر القرطبي أن الآية محكمة باقية لم ينسخها فرض القتال والجهاد؛ فالقتال إنما شُرع لدفع عدوان المعتدين وردع الطغاة، أما بيان الحق والدعوة إلى الله فسبيلها الدائم هو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به قدراً وشرعاً، وهي الإصابة في القول والعمل ومخاطبة كل أحد بما يناسب استعداده وفهمه.
الموعظة: النصح والتذكير بالعواقب والترغيب في الخير والتخويف من الشر بلطف ورقة، وتنكيرها ووصفها بالحسنة للدلالة على خلوها من التعيير والتقريع والغلظة.
الجدال بالتي هي أحسن: مقارعة الحجة بالحجة بأرقى أساليب الإنصاف والأدب وضبط النفس والبعد عن السباب والشتم.
{ادْعُ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{إِلَىٰ سَبِيلِ}: جار ومجرور متعلق بـ {ادْعُ}.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{بِالْحِكْمَةِ}: الباء للملابسة أو الاستعانة، والجار والمجرور متعلق بـ {ادْعُ} أو بمحذوف حال من الفاعل (أي ملتبساً بالحكمة).
{وَالْمَوْعِظَةِ}: معطوف على الحكمة مجرور.
{الْحَسَنَةِ}: نعت مجرور بالكسرة الظاهرة.
إعراب {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}:
الواو عاطفة، {جَادِلْهُم}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم للجمع.
{بِالَّتِي}: الباء حرف جر، و{الَّتِي} اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ {جَادِلْ}.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبتدأ في محل رفع.
{أَحْسَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة ومنع من الصرف للوصفية ووزن أفعل، وجملة {هِيَ أَحْسَنُ} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والمقصود بالطريقة أو الخصلة التي هي أحسن.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {رَبَّكَ}: اسم إن منصوب، والكاف مضاف إليه.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{أَعْلَمُ}: خبر {إِنَّ} مرفوع (أو خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر إن).
{بِمَن}: الباء حرف جر، {مَن} اسم موصول في محل جر متعلق بـ {أَعْلَمُ}.
{ضَلَّ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر والجملة صلة الموصول.
{عَن سَبِيلِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {ضَلَّ}.
{وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}: معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة السورة وبناء قواعد الدعوة: بعد أن عرضت السورة نعم الله الكبرى والآفاقية والإنسانية، ودحضت شبهات المشركين في التبذير والتحريم والافتراء، وبينت ملة الخليل إبراهيم، رسمت الآية هنا الطريقة العملية التي ينبغي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته سلوكها في إبلاغ هذا الحق الرباني إلى الناس؛ صيانة للرسالة من ردات الفعل الانفعالية.
التدرج الدقيق في مراتب الخطاب:
بدأ بـ {الْحِكْمَةِ} لأنها الأصل والعماد لكل دعوة.
ثنى بـ {الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} لترقيق النفوس وبعث الخشية والرجاء.
ثلث بـ {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} لمن دخل في معترك الخصومة؛ فقيد الجدال بالتي هي أحسن ولم يكتف بمجرد الحسن؛ لأن الجدال مظنة إثارة الغضب والمراء.
التعقيب بـ {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ}: لتطمين قلب الداعية وتحديد مسؤوليته؛ فإن وظيفة الداعية هي البلاغ وحسن الخطاب، أما الهداية والانحراف فهما بعلم الله وقدره؛ فلا يذهب نفس الداعية حسرات على من ضل بعد البلاغ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسخ هذه الآية بآيات السيف والقتال:
ادعى بعض المتقدمين أن هذه الآية منسوخة بآيات القتال في سورة التوبة ونحوها.
التحرير الأصولي ودفع الدعوى: الآية محكمة غير منسوخة؛ فالنسخ لا يثبت بالاحتمال، والدعوة بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن حكم دائم مستقر لا يسقط بحال؛ إذ لا يقاتل الكافر إلا بعد دعوته وبلاغه وإقامة الحجة عليه بالحكمة والبيان، ثم إن القتال إنما شُرع لدفع العدوان والفتنة عن الدين، ويبقى سبيل مخاطبة القلوب والعقول محصوراً في الحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن في السلم والحرب معاً.
إضافة السبيل إلى الرب المضاف لكاف الخطاب {سَبِيلِ رَبِّكَ}: تشريف لمقام الدعوة، وإشعار بأن الداعية يسير في طريق الله وتحت رعايته الخاصة وحمايته.
صيغة التفضيل في {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: لم يقل بالحسنة كما قال في الموعظة، بل قال بالتي هي أحسن مبالغة في الارتقاء بمستوى الحوار، ودفعاً لنوازع الانتصار للنفس والتشفي عند احتدام النقاش.
الإشارة والتدبر: نجاح الداعية ليس بكثرة المصفقين له، بل بمدى انضباطه بأخلاق النبوة؛ ومن خسر أدبه في الحوار فقد خسر معركته الدعوية وإن غلب خصمه باللسان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه التربوي: تدريب النفس على سعة الصدر عند مناظرة المخالفين، والالتزام بأدب الحوار وقواعد الإنصاف والموضوعية؛ وابتغاء إظهار الحق لا إفحام الخصم.
الأثر الوجداني: يغمر القلب شعور بالسكينة والتجرد لله، مستحضراً أن الهداية منحة إلهية يختص بها الله من يشاء، فيعمل الداعية باطمئنان ورضا وثقة بوعد الله.