تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يجدد فضح تناقض المشركين وغرورهم؛ والمعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لله البنات والشركاء وما يكرهونه لأنفسهم من النقص والدناءة ووأد الإناث وموت البنين؛ وتكذب ألسنتهم كذباً صريحاً بادعائهم الباطل أن لهم عند الله العاقبة الحسنى والجنة والكرامة إن كان ثمة بعث وحساب! فرد الله عليهم رداً قاطعاً حاسماً: {لَا جَرَمَ} أي حقاً ويقيناً وبلا شك ولا ريب، {أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} في الآخرة مأوى وجزاءً، {وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} أي متروكون منسيون في النار مبعدون، وقيل: معجلون مقدمون إلى العذاب، وقيل: مفرطون مسرفون في الذنوب والآثام.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جمع في هذه الآية بين توبيخهم على جعل ما يكرهون لله، وبين إبطال تمنياتهم الكاذبة؛ حيث زعموا أنهم إن بُعثوا فستكون لهم الحسنى عند الله، كقول العاص بن وائل لما قال لخباب: «لأوتين مالاً وولداً!»؛ فرد الله عليهم مؤكداً أن جزاءهم الحقيقي هو النار، وأنهم مفرطون أي منسيون في جهنم كما نسوا لقاء يومهم هذا، أو مقدمون إليها سراعاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) المعاني اللغوية في قراءات وتفاسير {مُّفْرَطُونَ}:
قراءة الجمهور بفتح الراء {مُّفْرَطُونَ}: من أفرطه إذا نسيه وتركه؛ أي منسيون متروكون في النار، أو من أفرط القوم إذا تقدمهم لتهيئة الماء؛ أي مقدمون معجلون إلى النار.
قراءة نافع وأبي جعفر بكسر الراء {مُّفْرِطُونَ}: اسم فاعل من أفرط في الأمر إذا جاوز الحد وبالغ في الإسراف والظلم والشرك.
قراءة الحسن: {مُفَرِّطُونَ} بالتشديد والكسر؛ أي مقصرون مضيعون لأمر الله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف الجمع بين سوء العمل وحسن الظن الكاذب؛ فهم يبارزون الله بالشرك وأقبح الأفعال، ثم يدعون بألسنتهم أن لهم الجنة والحسنى غروراً وباطلاً، فبين الله أن مآلهم المحتوم هو النار وأنهم متروكون فيها خالدين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَصِفُ: الوصف ذكر نعوت الشيء؛ ووصف اللسان الكذب استعارة بديعة كأن ألسنتهم تلبس الكذب صورة الحق وتنمقه.
الْحُسْنَىٰ: تأنيث الأحسن، والمراد العاقبة الحسنة أو الجنة والكرامة عند الله.
لَا جَرَمَ: كلمة مركبة تفيد التحقيق والقطع، ومعناها: حقاً، لا شك، لا بد.
مُّفْرَطُونَ: من فرط، إن كانت بفتح الراء فمعناها متروكون في النار أو مقدمون إليها؛ وإن كانت بكسرها فمعناها مسرفون متجاوزون للحدود.
مَا يَكْرَهُونَ: «مَا» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، وجملة «يَكْرَهُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ: الواو عاطفة أو حالية، «تَصِفُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة، «أَلْسِنَتُهُمُ» فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
الْكَذِبَ: مفعول به لـ«تَصِفُ» منصوب بالفتحة الظاهرة.
أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ: «أَنَّ» حرف توكيد ونصب، «لَهُمُ» جار ومجرور خبر أن مقدم، «الْحُسْنَىٰ» اسم أن مؤخر منصوب بفتحة مقدرة للتعذر، والمصدر المؤول بدل من «الْكَذِبَ» أو مفسر له (أو منصوب بنزع الخافض أي بالكذب).
لَا جَرَمَ: «لَا» نافية للجنس، و«جَرَمَ» اسمها مبني على الفتح في محل نصب (أو لا نافية وجرم فعل ماض معناه ثبت ووجب).
أَنَّ لَهُمُ النَّارَ: المصدر المؤول في محل رفع فاعل لـ«جرم» إذا كانت فعلاً، أو في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بالخبر المحذوف لـ«لا جرم» (أي لا جرم في أن لهم النار).
وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ: الواو عاطفة، «أَنَّهُم» أن واسمها، «مُّفْرَطُونَ» خبر أن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر معطوف على المصدر السابق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تأكيد وتعميق لما جاء في الآيات السابقة؛ فبعد أن بين أن لله المثل الأعلى وللكفار مثل السوء، وأن الله يمهلهم لأجل مسمى، بيّن هنا التناقض النفسي والأخلاقي المذهل لديهم؛ فهم يجمعون بين إساءة الأدب مع الله بجعل ما يكرهون له، وبين الأماني الباطلة بالدعوى أن لهم الحسنى والكرامة؛ فرد الله عليهم بالحكم القاطع والعدل الإلهي في مصيرهم إلى النار.
التناسب بين الكذب والحكم البات: قال: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ}، فقابل كذبهم ودعواهم الفارغة بقوله الحاسم المحقق: {لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ}؛ لتسقط أوهامهم أمام سلطان الحقيقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يزعم الكفار أن لهم الحسنى وهم ينكرون البعث أصلاً؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الكفار كانوا على ضربين:
ضرب ينكر البعث كلياً، ويقول على سبيل الفرض والجدل والمكابرة: «لئن كان ما يقوله محمد حقاً وبعثنا الله، فلن نكون إلا أعظم حظاً منكم كما كنا في الدنيا!»؛ كقول صاحب الجنتين في سورة الكهف: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا}.
وضرب يؤمن بنوع من المعاد المشوه، ويزعم أن أصنامهم وآباءهم سيشفعون لهم عند الله في الآخرة وينالون الحسنى.
وفي كلا الحالين كشف القرآن غرورهم الأجوف وسقوط دعواهم التي لا تستند إلى دليل عقلي ولا أثارة من علم.
الاستعارة المكنية والتخييلية البديعة في {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ}؛ حيث جعل اللسان كأنه فنان بارع يصور الكذب وينمقه ويزينه في صورة الحسنى والصدق.
التعبير بلفظ {لَا جَرَمَ} المؤكد للثبوت والقطع، لقطع كل حبال الأماني الكاذبة.
المقابلة الصاعقة بين {الْحُسْنَىٰ} التي يمنون بها أنفسهم، وبين {النَّارَ} التي أعدت لهم جزاءً وفاقاً لغرورهم وكفرهم.
الإشارة والتدبر الإيماني: الفرق الشاسع بين الرجاء الحقيقي والتمني الكاذب؛ فالرجاء يكون مع العمل الصالح وحسن الظن بالله، أما التمني المقرون بالمعاصي والشرك والإسراف فهو غرور وخداع للنفس يقود إلى النار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: محاربة داء الاغترار بالأماني الباطلة؛ فلا يصح لمسلم أن يتكل على رحمة الله وهو مصر على كبائر الذنوب مضيع لأركان دينه.
التطبيق العملي: صدق اللسان والتحري في الكلام، ومطابقة الأقوال للأفعال؛ وتجنب إطلاق الوعود الكاذبة أو تزكية النفس بغير حق.
الوجدان الإيماني: الخوف والوجل من عذاب النار، والاستعاذة الدائمة بالله من الغرور وسوء المصير والإفراط في المعاصي.