روى الطبري في تفسيره (14/ 340)مصدر غير محدد١٤/٣٤٠، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى، وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه: «أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تُرِكْتُ حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال: إن عادوا فَعُدْ»، فنزلت هذه الآية الكريمة عذراً ورخصة لعمار ومن سلك سبيله.
أثر ابن عباس وقتادة والحسن: أجمع المفسرون على أن الآية رخصة لمن أكره على النطق بكلمة الكفر تحت طائل التعذيب وسفك الدم، ما دام باطنه راسخاً في التوحيد، وأما من شرح بالكفر صدراً واختاره طائعاً رضي به بعد إذ هداه الله، فعليه الغضب الإلهي والخلود في العذاب.
موقف بلال وسمية وآل ياسر: أخذ المشركون عماراً وأمه سمية وأباه ياسراً وبلالاً وخباباً؛ فأما سمية وياسر فاستشهدا تحت وطأة التعذيب ولم ينطقا بالكفر فنالا درجة العزيمة العظمى، وأما عمار فأخذ بالرخصة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسح دموعه وقال: «عمار ملئ إيماناً إلى مشاشه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإكراه: حمل الإنسان على ما يكرهه بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو عضو من أعضائه مع عجزه عن دفعه، وأصله من الكره بالضم وهو المشقة، أو بالفتح وهو الإباء والامتناع.
{مَّن}: اسم شرط مبتدأ، و{شَرَحَ}: فعل ماضٍ، و{صَدْرًا}: تمييز أو مفعول به على التضمين أو السعة.
الفاء رابطة لجواب الشرط، {عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور خبر مقدم، {غَضَبٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة جواب الشرط، وجملة الشرط وخبره في محل رفع خبر المبتدأ {مَن}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية من سياق المفتري والكاذب: بعد أن بين أن المفترين هم الذين لا يؤمنون بآيات الله، حذر هنا من الردة والانقلاب على الأعقاب بعد التلبس بالإيمان، مبيناً العقوبة الماحقة للردة الاختيارية، ومفرداً المستضعفين المعذورين بالإكراه بالرحمة والصفح.
التفريق الدقيق بين الظاهر والباطن: جمع النظم بين حركة اللسان الظاهرة الناشئة عن قهر الإكراه، وبين سكون القلب واستقراره الداخلي، ليعلم أن مدار التكليف والنجاة في الإسلام هو عقيدة القلب وضمير العبد.
الاستدراك البياني بـ {وَلَٰكِن}: قطع التوهم بأن الرخصة تسري إلى من مال قلبه نحو الباطل؛ فجاء الاستدراك ليميز بحدة بين من تكلم بلسانه تحت قهر السيف وقلبه يفيض يقيناً، وبين من فتح مغاليق قلبه للضلال وانشرح له وجدانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين العزيمة والرخصة:
قد يظن البعض أن أخذ عمار بالرخصة نقص في دينه مقارنة بثبات سمية وياسر حتى الموت.
الجواب والتحرير الفقهي: كلاهما حق ومرتبة شرعية؛ فموقف سمية وياسر أخذ بالعزيمة العظمى وإظهار لقوة الحق وثبات العقيدة وهو مقام الصديقين الأبرار، وموقف عمار أخذ برخصة الله المقررة في شريعته السمحة لحفظ النفس المعصومة وادخار الطاقات لنصرة الدين؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعمار: «إن عادوا فعد»، وقد أجمع فقهاء الأمة على جواز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه الملجئ (كالتهديد بالقتل أو قطع الأعضاء) مع اطمئنان القلب بالإيمان.
حد الإكراه المعتبر شرعاً:
لا يعتبر إكراهاً الخوف المتوهم أو التعرض للسب والشتم أو فوات بعض المصالح الدنيوية؛ بل يشترط أن يكون المكره قادراً على إيقاع ما هدد به، وأن يغلب على ظن المكره وقوع الهلاك به إن لم يستجب، وأن تقتصر الاستجابة على اللفظ المجرد دون الفعل المحرم كقتل النفس المعصومة؛ إذ لا رخصة في قتل غيره لدفع القتل عن نفسه بالإجماع.
الاستعارة التمثيلية في {شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}: مثل قبول الكفر والتلذذ به باتساع الصدر وانشراحه، وهو تصوير لارتياح النفس الخبيثة للظلمات والجهالات بعد أن فارقت نور اليقين.
الجملة الحالية {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}: قيد حالي بالغ الأهمية؛ فلو تلفظ بكلمة الكفر مكرهاً ولكن قلبه تردد أو شك زال عنه حكم الرخصة، فالمعول عليه هو اطمئنان القلب وسكونه التام إلى توحيد ربه.
التنكير للتعظيم والتهويل: في قوله {غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ} وقوله {عَذَابٌ عَظِيمٌ}، نكر الغضب والعذاب للدلالة على فظاعتهما وخروجهما عن طاقة التقدير والحصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: يبرز الإسلام رحمة الله بعباده المستضعفين وواقعية الشريعة في مراعاة طاقات البشر؛ فلا تكليف بما يفوق الوسع، وحفظ النفس من الكليات الضرورية الخمس التي جاءت بها كل الرسالات السماوية.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على الطمأنينة بالإيمان؛ فالقلب إذا امتلأ بيقين التوحيد صار كالجبل الأشم لا تزعزعه عواصف الابتلاء ولا يضره ما يكره عليه جسده في ظلمات السجون والتعذيب.
الأثر الوجداني: يشعر المستضعف المبتلى بالأنس الإلهي والرحمة العظيمة، مستحضراً أن الله ينظر إلى القلوب والسرائر لا إلى الأجساد والمظاهر، وأن الدين يسر لا عسر فيه.