وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
انتقل السياق القرآني من بهائم الأنعام ذات المنافع الغذائية إلى صنف آخر من الدواب المسخرة للركوب والزينة والسرعة والجهاد، وهي الخيل والبغال والحمير، خاتماً الآية الكريمة بإعجاز غيبي كوني ممتد في قوله: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك قالوا: "خلق الله الخيل والبغال والحمير لركوب بني آدم في معايشهم وأسفارهم، وجعلها زينة وبهاءً لهم في أعين الناس؛ وفي قوله {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: يخلق ما لا تعلمون من الخلائق والمنافع والآلات والعجائب في البر والبحر والسماء وما لم تره أعينكم ولم يخطر على قلوبكم". وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخص في لحوم الخيل". واستدل جماعة من المفسرين والفقهاء (كابن عباس وأبي حنيفة ومالك في المشهور عنه) بهذه الآية على تحريم لحوم الحيل والبغال والحمير؛ لأن الله علل خلقها بالركوب والزينة {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ولم يقل: (ومنها تأكلون) كما قال في الأنعام؛ ولكن الصحيح عند الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين جواز أكل لحم الخيل لثبوت الحديث الصريح الصحيح في البخاري ومسلم بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم الخيل يوم خيبر. وقال الإمام القرطبي: "{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} لفظ عام يستغرق كل ما خلقه الله وسيخلقه مما غاب عن علم المخاطبين في ذلك الزمان؛ ويدخل فيه كل ما ابتكره البشر من المراكب الحديثة بتوفيق الله وهدايته كالسيارات والقطارات والطائرات والغواصات وسفن الفضاء".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الترتيب البياني من بدائع الفصاحة؛ فرتب هذه المراكب تنازلياً بحسب الشرف والجمال والسرعة:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة المراكب القديمة والحديثة: استحضار قدرة الله وحكمته عند ركوب الدواب أو قيادة السيارات وركوب الطائرات، وترديد دعاء الركوب: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}. 2. التواضع العلمي والمعرفي: الإقرار بعجز العقل البشري عن الإحاطة بجميع أسرار الخلق؛ مما يورث الخشوع لله والبعد عن الغرور العلمي. 3. حب الخيل وإكرامها: للخيل مكانة خاصة في الإسلام لارتباطها بالجهاد والجمال والعزة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" (متفق عليه).