سبب النزول واستشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد:
روى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، والطبري (14/ 374)مصدر غير محدد١٤/٣٧٤، والحاكم في المستدرك وصححه عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربينَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}، فقال رجل: لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً».
وروى الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة بن عبد المطلب قد بقر بطنه وجدع أنفه وأذناه ومثل به قال: «لَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ»، فأنزل الله هذه الآية كفاً وزجراً وترغيباً في الصبر والعفو، فقال صلى الله عليه وسلم: «بَلْ نَصْبِرُ»، وكفَّ وأدى الكفارة وما مثل بأحد.
تفسير ابن كثير (4/ 615)مصدر غير محدد٤/٦١٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية قاعدة تشريعية عامة في العدل والمماثلة عند استيفاء الحقوق والقصاص، وفي تفضيل العفو والصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى.
القرطبي (10/ 206)مصدر غير محدد١٠/٢٠٦: يذكر القرطبي إجماع علماء المسلمين على أن الآية أصل في مشروعية القصاص والمماثلة في العقوبات والجنايات ورد المظالم دون تعدٍ أو زيادة، وأن الصبر عن القصاص مندوب إليه مرغب فيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعاقبة: الجزاء بالعدل على ما تقدم من الذنب، وسُميت معاقبة لأنها تعقب الفعل الأول وتأتي عقيبه في الزمان.
المماثلة: المساواة في المقدار والكيفية، والمثل هو النظير الخالي من الزيادة والنقصان.
{عَاقَبْتُمْ}: فعل ماضٍ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والميم للجمع.
{فَعَاقِبُوا}: الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً لأن الجواب جملة طلبية (أمر)، {عَاقِبُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{بِمِثْلِ}: جار ومجرور متعلق بـ {عَاقِبُوا}.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{عُوقِبْتُم}: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، والتاء نائب فاعل، والميم للجمع.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {عُوقِبْتُمْ}، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{لِّلصَّابِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بـ {خَيْرٌ}، وعلامة الجر الياء، والجملة الاسمية جواب القسم المقدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن بين العدل والفضل: بعد أن أمر بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن، أردف ببيان حكم رد الاعتداء حال وقوع العدوان والجور؛ فشرع الله ميزان العدل الصارم: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} حتى لا تبغي النفوس وتتجاوز الحدود عند الغضب، ثم رقى المؤمنين إلى مقام الإحسان والفضل الأسمى: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}.
المشاكلة اللفظية في {عُوقِبْتُم بِهِ}: سمي فعل المعتدي الأول (عقوبة) على سبيل المشاكلة البلاغية والازدواج اللفظي؛ لأن فعل البادئ ليس عقوبة وإنما هو ظلم وعدوان، ولكن سماه عقوبة لمماثلته للجزاء اللاحق في اللفظ كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إقرار الشريعة للتمثيل بالجثث أو التعذيب بالمثل:
قد يستدل جاهل بالآية على جواز التمثيل بجثث الأعداء إذا مثلوا بقتلى المسلمين!
التحرير الفقهي الحاسم: الآية عامة في القصاص والمماثلة، ولكن السنة النبوية القاطعة والإجماع خصصا هذا العموم فيما حرم لذاته؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم نهياً قاطعاً عن المَثْلَة؛ فقال: «لا تُمَثِّلُوا، وَلا تَغْدِرُوا»، وثبت عن الصديق وعمر وجمهور الأئمة أن التمثيل بالقتلى محرم بإطلاق؛ لأن الشريعة قائمة على العدل والرحمة ومكارم الأخلاق، فلا يقابل الفاحش بفاحش مثله، وإنما تجوز المماثلة في القصاص المعصوم دون انتهاك الحرمات الذاتية كالتلويث بالفواحش أو التمثيل المشوه للآدمية المكرمة.
أسلوب المشاكلة في التعبير: التعبير عن الجناية الأولى بلفظ العقوبة إشعاراً بأنها استوجبت الجزاء الحتمي كأنها عقوبة تطلبت عقوبة مثلها.
التنكير والتفضيل في {خَيْرٌ}: صيغة تفضيل تدل على رجحان كفة الصبر والعفو في الميزان الرباني، وجعل الخيرية لازمة للصابرين في الدنيا بالأجر وراحة القلب وفي الآخرة بعلو الدرجات.
الإشارة والتدبر: الانتصار للنفس مركب وعر، وأعظم الشجاعة هي كبح جماح النفس عند القدرة؛ وحين يملك المظلوم حق القصاص ثم يختار الصبر ابتغاء مرضاة الله يتوج بأكليل الولاية الربانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: يبرز الإسلام ميزانه الفريد الذي يحفظ كرامة المظلوم ويشرع له حقه العادل، وفي الوقت نفسه يحثه برفق وترغيب على العفو والتسامح، مما يؤلف القلوب وينهي ثارات الجاهلية.
التوجيه التربوي: تدريب المسلم على ضبط النفس عند الغضب والانتصار للعدل دون تجاوز، وممارسة فضيلة الصبر واحتساب المظالم عند أعدل الحاكمين.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن خشوعاً ورقة حين يستحضر موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند جثمان عمه حمزة يوم أحد وامتثاله لأمر ربه بالصبر والعفو؛ فيقتدي بنبيه ويسمو فوق حظوظ نفسه.