يصف الله تبارك وتعالى مشهداً مهيباً من مشاهد يوم القيامة، حيث تتلاشى كل الروابط والأنساب، ويذهل كل إنسان عن أهله وولده، ويأتي كل عبد يدافع ويخاصم عن نفسه وحدها طمعاً في النجاة، وتوفى الخلائق أجور أعمالها بالعدل التام دون ظلم أو نقص.
تفسير الطبري (14/ 348)مصدر غير محدد١٤/٣٤٨: يروي الطبري عن قتادة وعكرمة قولهما: «والله ما تجادل عن ولد ولا والد ولا عشيرة ولا صاحب، ما تجادل إلا عن نفسها خاصة؛ من شدة كرب ذلك اليوم وهوله».
تفسير ابن كثير (4/ 607)مصدر غير محدد٤/٦٠٧: ينبه ابن كثير إلى أن كل إنسان لا يهمه في ذلك اليوم إلا ذاته، كما قال تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، ويقول: نفسي نفسي لا أسألك إلا نفسي، حتى الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم في عرصات ذلك اليوم يقول كل منهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي.
القرطبي (10/ 186)مصدر غير محدد١٠/١٨٦: يذكر القرطبي أن مجادلة النفس هنا إما بالاعتذار وإظهار الحجج والمعاذير، أو بسؤال المغفرة والرحمة، أو بإلقاء اللوم على القرناء والشياطين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المجادلة: المنازعة والمخاصمة بالحجج، وأصل الجدل في اللغة: شدة الفتل، ومنه جدلت الحبل إذا أحكمت فتله؛ لأن كل واحد من المتخاصمين يفتل الآخر ويثنيه عن رأيه بحجته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط مع مغفرة الله للمهاجرين والصابرين: لما وعد الله الذين هاجروا وصبروا بالمغفرة والرحمة، ذكر هنا موعد ظهور هذه المغفرة والرحمة وهو ذلك اليوم العصيب الذي يفلس فيه الخلق ويعجز الإنسان عن نصرة أقرب الناس إليه؛ ليتبين قدر نعمة المغفرة والرحمة في ذلك المشهد الرهيب.
تكرار لفظ {كُلُّ نَفْسٍ}: كرر لفظ {كُلُّ نَفْسٍ} مرتين في آية واحدة لإفادة الإحاطة التامة والشمول الذي لا يغادر براً ولا فاجراً، ولتأكيد استقلال كل فرد بمسؤوليته وجزائه.
مراعاة اللفظ والمعنى في الضمائر: أنث في {تُجَادِلُ} و{عَمِلَتْ} مراعاة للفظ (النفس)، وجمع في {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} مراعاة لمعنى الجمع في (كل نفس).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين جدال النفس ونطق الجوارح وختم الأفواه:
قد يورد مشكك تعارضاً ظاهراً بين قوله تعالى: {تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}، وبين قوله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ}، وقوله: {هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}.
الجواب العقلي ودفع التناقض: يوم القيامة يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة، وله مواقف ومواطن متعددة؛ ففي موطن يجادلون ويعتذرون ويخاصمون فيه، فإذا كذبوا وجحدوا ختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون فانقطعت حجتهم وأبلسوا، وفي موطن آخر يعتريهم الخرس والذهول فلا ينطقون؛ فلا تعارض بين مواطن القيامة المختلفة بل كل نص يصور مشهداً من تلك المشاهد المتعاقبة.
التجريد البلاغي في {تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}: جعل النفس كأنها ذاتان متمايزتان: ذات تجادل وتخاصم، وذات يجادل عنها وتفتدى، وذلك لشدة الحرص على النجاة وفرط التعلق بالخلاص.
بناء الفعل للمجهول في {تُوَفَّىٰ} و{لَا يُظْلَمُونَ}: للدلالة على استقرار العدل الإلهي المطلق، وأن التوفية ونفي الظلم أمران مقطوع بهما في نواميس ذلك اليوم كأنهما غريزة قائمة لا يتخلفان.
الإشارة والتدبر: كل المدافعين والمحامين والأنصار والأنساب سينفضون عنك، ولن تجد في ذلك اليوم إلا ما قدمت من عمل صالح يجادل عنك؛ فمن كان عمله صالحاً كان حجة له، ومن كان عمله سيئاً كان حجة عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الغافلين بيوم المحاسبة الفردية؛ ليتخلص المرء من التبعية العمياء للأعراف الفاسدة أو الكبراء الذين يضلون أتباعهم ثم يتبرؤون منهم يوم القيامة.
التوجيه التربوي: غرس المسؤولية الفردية الأخلاقية؛ فلا يتكل العبد على نسب أو شفاعة دون عمل، بل يعلم أن حسابه سيكون فرداً: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}.
الأثر الوجداني: يرتعد الوجدان خشوعاً وتجرداً لله، ويتحرر من التعلق بالخلق، مقبلاً على إعداد الزاد الصالح ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.