تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يفضح مقالة قبائل من قريش وخزاعة وكنانة؛ حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله! فنسبوا لله الولد، ثم اختاروا لله ما يكرهونه لأنفسهم وهو البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من البنين والذكور الذين بهم عزهم وقوتهم بزعمهم؛ فنزه الله نفسه عن مقالتهم الخبيثة تنزيهاً مطلقاً بقوله: {سُبْحَانَهُ}؛ أي براءة وطهارة وعظمة له أن يكون له ولد أو شريك أو صاحبة، فكيف يجعلون للرب العظيم ما يستنكفون هم من نسبته إليهم؟!
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) قبح جناية المشركين؛ فجمعوا بين الشرك ونسبة الولد إلى الله، ثم اختاروا له أخس القسمين في عرفهم وتقاليدهم، وجعلوا لأنفسهم ما يحبون من الذكور؛ كقوله تعالى في سورة النجم: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}، وقوله في الصافات: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ}؛ فجاءت كلمة التنزيه {سُبْحَانَهُ} معترضة رداً قاطعاً على هذا البهتان العظيم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى البلاغي في قوله: {سُبْحَانَهُ}؛ وهو مصدر منصوب بفعل محذوف، ومعناه تنزيهاً وتقديساً وبراءة لله من كل نقص وعيب ومما ينسبه إليه المفترون؛ وقوله: {وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} أي ويجعلون لأنفسهم الذكور الذين يشتهونهم، فكانوا في غاية الجهل والجراءة على مقام الربوبية.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف التناقض العقلي الفاحش للمشركين؛ فإن الولد في حقه تعالى ممتنع عقلاً ونقلاً لأنه الغني الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ثم إنهم مع كفرهم جعلوا لله القسم الأدنى في نظرهم، واختصوا أنفسهم بالقسم الأعلى؛ فظهر أن كفرهم مبني على السفاهة والجهل المفرط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
سُبْحَانَهُ: مصدر سبح يسبح تسبيحاً وسبحاناً، وهو التنزيه والتبعيد لله عن كل نقص وشريك وشبيه.
يَشْتَهُونَ: الشهوة ميل النفس ونزوعها إلى ما يلائمها وتلتذ به، والمراد هنا اشتهاؤهم للذكور من الأولاد.
لِلَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ«يَجْعَلُونَ» (أو في محل نصب المفعول به الثاني إذا كانت جعل تفيد التصيير أو الاعتقاد).
الْبَنَاتِ: مفعول به أول منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
سُبْحَانَهُ: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره (أسبح سبحانه)، والهاء مضاف إليه، والجملة معترضة للتنزيه والتعظيم لا محل لها من الإعراب.
وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ: الواو عاطفة أو حالية، «لَهُم» جار ومجرور خبر مقدم، «مَا» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة «يَشْتَهُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (يشتهونه)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة يجعلون الأولى بتقدير (ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون)، أو في محل نصب مفعول به لـ«يجعلون» محذوف، أو جملة حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تدرج القرآن في فضح جرائمهم الجاهلية؛ فبعد أن بين توزيعهم الجائر في الأموال وجعلهم نصيباً منها للأصنام في الآية (56)، انتقل هنا إلى توزيعهم الجائر في الأنساب بافترائهم أن لله البنات ولأنفسهم البنين؛ لتتكامل صورة الظلم والسفه في أموالهم وعقائدهم وأخلاقهم.
الاعتراض التنزيهي الفوري بـ{سُبْحَانَهُ}: لم يؤخر القرآن الرد إلى نهاية الآية، بل بادر بإيراد كلمة التنزيه {سُبْحَانَهُ} عقب ذكر البنات مباشرة؛ تعظيماً لمقام الربوبية ومبادرة لنفي هذه النقيصة المستحيلة في حقه تعالى، قبل أن يستكمل ذكر باطلهم بقوله {وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المحاكمة العقلية لقسمة المشركين:
كيف يصح في ميزان العقل أن ينسب المخلوق العاجز إلى خالقه العظيم صفة أو ولداً يعده هو في عرفه عاراً ونقصاً؟!
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
القرآن هنا يحاكمهم بقواعد عقولهم وأعرافهم الذاتية؛ فهم يستقبحون ولادة الأنثى ويعدونها نقصاً وضعفاً، فكيف يجرؤون على نسبة ما يستقبحونه إلى من له المثل الأعلى في السماوات والأرض؟!
التنزيه الحقيقي لله ينفي أصل اتخاذ الولد مطلقاً، ذكراً كان أو أنثى؛ لأن الولد يقتضي المشابهة والحاجة والمادية والتكاثر، والله سبحانه هو الواحد الأحد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، والغني عن جميع خلقه. فالآية تفضح تناقضهم الأخلاقي الداخلي لإلزامهم بالحجة وإسقاط كبريائهم.
التعبير بالموصول {مَّا يَشْتَهُونَ} بدلاً من التصريح بـ«البنين»؛ لإبراز أن اختيارهم لأنفسهم لم يكن مبنياً على حق ولا عدل، بل على محض الشهوة والهوى النفسي المجرد.
الاعتراض البليغ بـ{سُبْحَانَهُ} في حشو الكلام؛ لقطع دابر توهم الرضا بهذا القول الشنيع حتى للحظة واحدة.
المقابلة البيانية بين {الْبَنَاتِ} المكروهة عندهم وبين {مَّا يَشْتَهُونَ} المحبوبة لديهم، لإظهار فجاجة القسمة وجور الحكم.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال التنزيه الإلهي؛ فالمؤمن إذا سمع ما لا يليق بجلال الله فاض قلبه ولسانه بالتسبيح والتقديس رداً للباطل وتعظيماً للحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنزيه الله عن النقائص والشركاء، ومحاكمة الأفكار المنحرفة ببيان تناقضها الداخلي قبل إبطالها بالبراهين الخارجية.
التطبيق العملي: تعميق خلق التسبيح في اللسان والقلب، وملازمة قول «سبحان الله» عند سماع المنكرات أو الشبهات العقدية.
الوجدان الإيماني: تعظيم مقام الله وجلاله، والارتفاع فوق الأهواء والشهوات التي تعمي البصائر وتقود إلى أقبح صور التناقض والظلم.