قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
سجلت الآية الكريمة مثلاً قرآنياً حسياً هائلاً لمكر الطغاة والمكذبين السابقين، وكيف اجتاح الله تدبيرهم وقوّض خططهم الماكرة من جذورها وأصولها، حتى انهار عليهم ما شيدوه من فوق رؤوسهم وباغتهم العذاب من مأمنهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}:
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب في غاية الروعة والردع الإلهي؛ فبعد أن بين في الآيات السابقة مكر كفار قريش واستكبارهم ومقالتهم في الوحي {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، ضرب لهم هذا المثل العاصف بمصارع الأمم الباغية السابقة؛ ليعلموا أنهم ليسوا بدعاً في المكر، وأن قوة من كان قبلهم كانت أعظم من قوتهم ولكنها تلاشت: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ}. وقوله {مِّنَ الْقَوَاعِدِ} يصور قمة الإتقان في الهدم؛ فالذي يهدم البناء من أعلاه قد يترك بعض الجدران قائمة، أما من يقوضه من القواعد والأصول السفلية فإن البناء يسقط بكليته في طرفة عين. وقوله {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} تصوير حسي مريع لهلاكهم؛ فالسقف الذي كان يظلهم ويحميهم انقلب هو عينه أداة سحقهم ودفنهم. ثم ختم بـ {وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} لبيان مباغتة البأس الإلهي لكل متجبر مغتر بحصونه.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. السكينة بضعف كيد الباطل وهشاشته: المكر السيئ يحمل بذور فنائه في داخله؛ فالواجب على أهل الحق الثبات والصبر، فبنيان الباطل مهزوم من قواعده. 2. الحذر من مكر الله واستدراجه: لا يغتر الظالم بتأخر العقوبة واستحكام قوته؛ فعذاب الله يأتيه فجأة من الجهة التي كان يظن فيها أمانه وغناه. 3. التوكل على القوي القهار: تفويض الأمور لله في مواجهة التحالفات الجائرة؛ فالقادر على هدم عروش الجبابرة قادر على حماية المستضعفين.