وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
عادت الآية الكريمة لتطوف بالقلب في أرجاء الأرض وما بث الله فيها ونشر من شتى الخلائق والكائنات والمخلوقات المتباينة الأشكال والأنواع والألوان والطبائع؛ من حيوان ومعادن ونبات وجماد، منبثقة ومسخرة لمصالح العباد، ومختومة بالدعوة إلى التذكر والاعتبار. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة في قوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} قالا: "ذرأ: أي خلق وبث ونشر؛ وما خلق لكم في الأرض من الدواب والحيوان والأشجار والثرى والمعادن والجماد؛ مختلفاً ألوانه: أي شتى في أشكاله وهيئاته وطعومه وألوانه ومنافعه؛ إن في ذلك لآية ودلالة على قدرة الله لقوم يذكرون فيتعظون ويعلمون أن خالق ذلك كله واحد لا شريك له". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: "ذرأ: بث ونشر؛ ومختلفاً ألوانه يعني به ألوان الدواب والأشجار والجبال والتراب؛ فمنها الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ومنافعها شتى". وقال الإمام القرطبي: "الذَّرْء: الخلق، يقال: ذرأ الله الخلق يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءاً إذا خلقهم ونشرهم؛ والألوان هاهنا لا يراد بها مجرد البياض والسواد، بل يراد بها الأجناس والأصناف والطبائع والخواص؛ وختم بـ {يَذَّكَّرُونَ} لأن ما في الأرض مشاهد مكرور على الأبصار، فالإنسان يحتاج فيه إلى مجرد التذكر واليقظة ودفع الغفلة ليعلم أن هذه الأصناف المسخرة دليل قاطع على المنعم".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتألق النظم القرآني في التدرج التناسقي المعجز عبر ثلاث محطات معرفية ونفسية متتالية:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التداوي بالذكر واليقظة من الغفلة: محاربة إلف النعمة والغفلة عنها؛ فالإنسان إذا اعتاد رؤية الأشياء نسي فضل الله فيها، والقرآن يدعونا لنتذكر المنعم في كل خطوة نخطوها على الأرض. 2. استثمار الموارد الطبيعية وتنوعها: استخراج كنوز الأرض وخيراتها من معادن ونفط وزراعة وحيوان واستخدامها في عمارة الأرض بالعدل والصلاح. 3. تأمل التنوع البشري والبيئي كآية ربانية: احترام التنوع الكوني؛ فكما اختلفت ألوان الأرض اختلفت ألسنة الناس وألوانهم وثقافاتهم، وكلها آيات تدعو للتعارف والتفكر.