تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يوالي تعداد نعمه في الوقاية والحماية؛ والمعنى: والله سبحانه هو الذي خلق لكم مما خلق من الأشجار والجبال والسحاب ظلالاً تستظلون بها وتتقون بها حرور الشمس ووهجها؛ وجعل لكم من الجبال أكناناً؛ وهي الكهوف والمغارات والسراديب التي تسكنون فيها وتتحصنون بها من الأعداء والوحوش والأمطار؛ وجعل لكم سرابيل من القطن والكتان والصوف تلبسونها فتقيكم شدة الحر والبرد؛ وسرابيل أخرى من الحديد والدروع والزرد تقيكم بأسكم؛ أي طعن السلاح وضرب السيوف في حروبكم ومواجهاتكم؛ كذلك يتم الله نعمته الدينية والدنيوية عليكم، لعلكم تنقادون وتستسلمون وتخضعون له بالتوحيد والإخلاص.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) دقة هذه النعم الوقائية؛ فذكر الظلال من الأشجار والأبنية، والأكنان من الجبال وهي الحصون والمغارات الطبيعية؛ والسرابيل الأولى هي الثياب والقمصان التي تدفع أذى الحر (واكتفى بذكر الحر عن البرد لدلالة السياق ولأن مخاطبة أهل الحجاز بالحر أوقع في نفوسهم)، والسرابيل الثانية هي الدروع والحديد ولبوس الحرب التي تقي في المعارك؛ {كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} أي بمثل هذا التدبير السابغ يتم نعمه في أمر دنياكم ودينكم، {لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} أي تخلصون له العبادة وحده لا شريك له.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الأكنان» و«السرابيل»؛ فالأكنان جمع كِنّ، وهو كل ما رد عنك الأذى وحفظك من حر أو برد أو عدو، والمراد بها غيران الجبال والكهوف؛ والسرابيل جمع سربال وهو القميص واللباس، وسرابيل البأس هي الدروع المنسوجة من حلق الحديد كقوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ}.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية جمعت أسباب الوقاية والدفاع؛ وقاية من حر الشمس بالظلال، ووقاية من عوارض الطبيعة بالأكنان، ووقاية للأجساد بالثياب، ووقاية في الحروب بالدروع والسلاح؛ وكلها دلائل على لطف الله بعباده وحفظه لهم لعلهم يسلمون وينقادون لأمره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَكْنَانًا: جمع كِنّ بكسر الكاف، وهو الغطاء والمأوى والحصن الذي يستكن فيه الإنسان ويستتر به.
سَرَابِيلَ: جمع سربال، وهو القميص وكل ما يُلبس على البدن ليغطيه.
بَأْسَكُمْ: البأس هنا الحرب والقتال، ومخالطة السلاح والطعن والضرب.
تُسْلِمُونَ: تنقادون وتستسلمون لله بالطاعة والتوحيد، أو تسلمون من الهلاك والجراح.
مِّمَّا خَلَقَ: متعلق بمحذوف حال مقدمة من «ظِلَالًا»، وجملة «خَلَقَ» صلة الموصول.
ظِلَالًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا: معطوف على ما قبله؛ «أَكْنَانًا» مفعول به، «مِّنَ الْجِبَالِ» حال مقدمة.
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ: معطوف أيضاً، «سَرَابِيلَ» مفعول به منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع).
تَقِيكُمُ الْحَرَّ: «تَقِيكُمُ» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على سرابيل، والكاف مفعول به أول والميم للجمع، «الْحَرَّ» مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والجملة في محل نصب نعت لـ«سَرَابِيلَ».
وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ: معطوف على ما قبله وإعرابه مماثل له، «بَأْسَكُمْ» مفعول به ثانٍ والكاف مضاف إليه.
كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ: الكاف حرف جر، «ذا» مجرور محلاً واللام للبعد والكاف للخطاب، وشبه الجملة متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لـ«يُتِمُّ» (أي إتماماً مثل ذلك الإتمام يتم نعمته)، «يُتِمُّ» فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، «نِعْمَتَهُ» مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تكامل عجيب في منظومة الحفظ والوقاية؛ ففي الآية السابقة (80) ذكر البيوت الحضرية والبدوية والفرش؛ وهنا ذكر ما يقابل ذلك في الطبيعة: الظلال والأكنان، وما يستر البدن ذاته مباشرة: سرابيل الثياب المدنية وسرابيل الدروع العسكرية؛ ليحاط الإنسان بالحفظ والرعاية من رأسه إلى قدمه.
التذييل الجامع لإتمام النعمة: ختم هذا المقطع العظيم من تعداد النعم بقوله: {كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}؛ ليعلن أن غاية جميع هذه النعم الكونية والحيوية والاجتماعية هي غاية واحدة: «الإسلام والاستسلام والانقياد لله بالتوحيد».
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا قال {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} واقتصر عليه دون ذكر البرد؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
هذا من بديع إعجاز الإيجاز بالحذف البلاغي المسمى في علم المعاني بـ«الاحتباك»؛ فما يقي الحر من الثياب يقي البرد بالأولى، وحذف أحد الضدين لدلالة الآخر عليه مشهور في لغة العرب؛ كقوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أي والشر بيدك.
خصوصية البيئة الحجازية والمخاطبين الأولين؛ فإن بلاد العرب شديدة الحرارة والقيظ، ووقاية الحر عندهم أمر حيوي وشاغل يومي، فخاطبهم بأعظم ما يحسون به.
وقد تقدم ذكر ما يقي البرد في الآية السابقة من الأصواف والأوبار والأشعار والمساكن؛ فاكتفى في هذه الآية بذكر وقاية الحر لتتكامل الدلالتان في الآيتين.
تكرار لفظ {وَسَرَابِيلَ} مرتين بدل العطف المجرد؛ لتعظيم شأن نعمة الدروع العسكرية التي تحفظ الأرواح في الحروب، وإفرادها بنعت مستقل {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ}.
التعبير بـ{يُتِمُّ نِعْمَتَهُ} بصيغة المضارع؛ لإشعارهم بأن فضل الله مستمر ومتجدد لا ينقطع، وأن أعظم تمام للنعمة هو نعمة الهداية للإسلام.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم لباس يتسربل به العبد لباس التقوى؛ فكما يحرص الإنسان على ارتداء السرابيل التي تقيه الحر والدروع التي تقيه طعنات السلاح، فليكن أشد حرصاً على ارتداء درع التقوى والإيمان الذي يقيه نار جهنم وعذاب يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ربط النعم الدنيوية بمقصدها الأخروي والعقدي؛ فلا يُفرح بالنعمة لمجرد التمتع بها، بل تفرح النفس بها لكونها عوناً على طاعة الله وباباً للإسلام والانقياد.
التطبيق العملي: حسن استثمار الموارد الطبيعية والصناعية في بناء وسائل الحماية والوقاية والأمن للمجتمع، والاستعداد للدفاع عن الأمة بصناعة الأسلحة والدروع.
الوجدان الإيماني: الاستسلام والخضوع الكامل لله رب العالمين، والشعور بالغرق في بحار نعم الله المتوالية التي لا تعد ولا تحصى.