تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يخبر عن تفرده بالملك والعبادة المستحقة؛ والمعنى: ولله وحده ملك كل ما في السموات وكل ما في الأرض خلقاً وتصريفاً وعبيداً، وله الطاعة والعبادة والخضوع دائماً واصباً ثابتاً لازماً أبد الآبدين؛ فكيف تعدلون عنه إلى غيره وتتقون سواه وتعبدون ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً؟! وينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن «واصباً» معناه: دائماً ثابتاً خالصاً، ومنه قول الشاعر: فاستقر الدِّينُ واصِباً؛ أي ثابتاً مستقراً.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن كل موجود في العوالم العلوية والسفلية ملك لله وعبيد له، وله الدين واصباً؛ أي يجب أن يُطاع دائماً في كل وقت وحال؛ وقيل: واصباً أي واجباً لازماً بحكم العقل والشرع، وقيل: خالصاً لا شائبة فيه لغيره؛ ثم أنكر على من أشرك به بقوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ}؛ أي أتخافون غير الخالق المالك المدبر وتتقون غضب مخلوق لا يملك من أمره شيئاً؟!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعاني اللغوية لمادة «وصب»؛ فالوصب في الأصل دوام الشيء وثبوته ولزومه مع المشقة، ومنه قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} أي دائم. والدين هنا يطلق على الطاعة والجزاء والعبادة؛ فله العبادة الدائمة على العباد في كل زمان ومكان؛ ثم التوبيخ في الاستفهام {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} على صرف التقوى والخوف لغير مستحقها.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية جمعت بين ملك الخلق وملك الأمر والتشريع؛ فكل المخلوقات ملكه، والدين الذي هو العبادة والانقياد حق لازم دائم له وحده؛ فكيف يتوجه العاقل بالخوف والتقوى إلى مخلوق ضعيف فقير من كل وجه، ويترك عبادة المالك الغني الحميد؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
الدِّينُ: يطلق على الطاعة، والانقياد، والجزاء، والملة، والعبادة؛ والمراد هنا الطاعة والعبادة.
وَاصِبًا: من وصب الشيء يصب وصوباً، إذا دام وثبت واتصل ولم ينقطع، ومنه الوصب وهو المرض الملازم.
تَتَّقُونَ: التقوى الحذر والاتقاء، وأصلها من الوقاية وهي جعل حاجز بين النفس وما يضرها.
التوجيه الإعرابي:
وَلَهُ: الواو استئنافية أو عاطفة، «لَهُ» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وتقديمه يفيد القصر والحصر.
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: «مَا» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، «فِي السَّمَاوَاتِ» جار ومجرور صلة الموصول لا محل لها، الواو عاطفة، «الْأَرْضِ» معطوف مجرور بالكسرة.
وَاصِبًا: حال من «الدِّينُ» منصوبة بالفتحة الظاهرة (أي كائناً دائماً ثابتاً لازماً)، أو حال من الضمير المجرور في «له» (أي له الدين حال كونه سبحانه واصباً أي دائماً باقياً)، والأول هو الأرجح والأظهر.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الفاء عاطفة على مقدر (أتغفلون فغير الله تتقون)، «غَيْرَ» مفعول به مقدم لـ«تَتَّقُونَ» منصوب بالفتحة لإفادة القصر والإنكار، «اللَّهِ» لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
تَتَّقُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أمر الله برهبته وحده في الآية السابقة: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}، أقام هنا البرهان القطعي على استحقاقه لهذه الرهبة والتقوى؛ فبين أنه المالك الوحيد لكل ما في السموات والأرض، وأن الدين والخضوع حق دائم له سبحانه؛ فرتب على هذا البرهان إنكار تقوى غيره بأسلوب التوبيخ الصاعق: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ}.
التكرار البلاغي لتقديم الجار والمجرور: كرر قوله: {وَلَهُ... وَلَهُ} مرتين؛ الأولى لتقرير حصر الملك الكوني، والثانية لتقرير حصر الاستحقاق الديني الشرعي؛ ليطابق ملك الخلق لملك الأمر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يخاف الناس من الظلمة والجبابرة والآية تنكر ذلك؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الخوف الطبيعي الفطري (كالخوف من السبع أو النار أو بطش الظالم المباشر) ليس داخلاً في النهي والإنكار؛ لأنه خوف جِبلّي لا عبادة فيه ولا تعظيم قدري.
الإنكار في الآية موجه إلى «خوف العبادة والسر والتقوى الدينية»؛ وهو أن يعتقد الإنسان في غير الله نفعاً أو ضراً مستقلاً، أو يخاف منه خوفاً يحمله على الشرك أو ترك واجبات الدين وتحليل الحرام، أو يتقي بطش الأصنام والجن بزعم أنها تتصرف في الكون؛ فهذا هو الشرك الأكبر الذي أنكره القرآن وقرر بطلانه لأن الملك كله لله.
تقديم الجار والمجرور {وَلَهُ} مرتين للتأكيد على الحصر والاختصاص، ونفي أي مشاركة في الخلق أو التشريع.
التعبير بـ{وَاصِبًا} بما يحمله من عمق الديمومة والثبوت، للدلالة على أن عبودية الخلق لله ليست عارضة ولا مؤقتة، بل هي صفة ذاتية ملازمة للوجود ما دامت السماوات والأرض.
تقديم المفعول به {أَفَغَيْرَ} في الاستفهام الإنكاري، لتشنيع الفعل وتقبيح التوجه بالتقوى لغير المنعم المالك الحقيقي.
الإشارة والتدبر الإيماني: إذا كان الكون كله ملكاً لله، وطاعته لازمة دائمة، فما أسفه عقل من يرجو رضا المخلوق الفاني بسخط المالك الباقي! فمن اتقى الله كفاه الناس، ومن اتقى الناس لم يغنوا عنه من الله شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء الشخصية الإيمانية المستقلة المتحررة من ضغوط الخوف من الناس؛ فالذي يعلم أن الدين لله واصباً لا يتزعزع دينه أمام تيار الباطل.
التطبيق العملي: مراقبة الله في السر والعلن، وتقديم أوامره على رغبات الخلق وأهوائهم، وعدم الخوف في الله لومة لائم.
الوجدان الإيماني: امتلاء القلب بعزة التوحيد وشموخه؛ فالمؤمن عبد لله وحده، لا يستعبد قلبه صنم ولا مال ولا منصب ولا بشر.