خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أقامت الآية الكريمة البرهان الكوني الأكبر على وحدانية الله وعظيم قدرته وسلطانه، من خلال خلق السموات والأرض بالحق والحكمة والإتقان، متبوعة بتنزيهه وتبرئته العلية عما يشرك به المشركون من أوثان وأنداد عاجزة لم تخلق شيئاً. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن مجاهد وقتادة في قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} قالا: "أي خلقهما بالعدل والصدق والحكمة ولم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً، بل خلقهما ليدل بهما عباده على عظمته وقدرته، وليروا آيات ربوبيته فيفردوه بالعبادة". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: "ارتفع الله وعلا عن شرك أهل الشرك وتكذيبهم؛ فإنه الفرد الصمد الخالق لكل شيء، فكيف يشرك به ما لا يخلق شيئاً وهو يُخلق؟". وقال الإمام القرطبي: "الباء في {بِالْحَقِّ} للملابسة؛ أي ملتبسة بالحق والعدل؛ وتكرار قوله {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بعد الاستدلال بخلق السموات والأرض لربط الدليل الكوني بالنتيجة العقدية، وإظهار سفاهة من جعل لله نداً من خلقه".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتألق النظم الإعجازي في نقل العقل البشري من عالم الوحي والملائكة في الآية السابقة إلى المشهد الكوني المفتوح: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ}. فالذي أنزل الروح بالوحي هو عينه الذي بنى السموات والأرض بالحق؛ ليعلم الإنسان أن "كتاب الوحي المقروء" و"كتاب الكون المنظور" صادران من مشكاة واحدة ويقودان إلى حقيقة واحدة وهي التوحيد المطلق. وتكرير التعقيب التنزيهي {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} للمرة الثانية في مطلع السورة (بعد الآية 1) هو تأكيد لفظي ومعنوي مؤسس لتقرير الحجة؛ ففي الأولى نزه نفسه عند ذكر إتيان أمره والقيامة، وهنا نزه نفسه عند ذكر عظمة خلقه للسموات والأرض؛ لقطع كل شبهة في ربوبيته.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاستدلال بالآفاق الكونية لترسيخ العقيدة: استخدام براهين الإتقان وعظمة النظام الكوني في مناقشة الملحدين والمشككين لإثبات وجود الخالق الحكيم ووحدانيته. 2. عمارة الأرض بالحق والعدل: ما دامت السموات والأرض خلقت بالحق، فإن الواجب على المستخلف فيها أن يقيم حياته ومعاملاته على الحق والعدل واجتناب الظلم والفساد. 3. دوام التنزيه والتعظيم لله: تعميق تعظيم الله في القلوب؛ فإذا رأى المؤمن عظمة المخلوقات استشعر جلال الخالق وقال بلسان حاله ومقاله: سبحانك وتعاليت عما يشركون.