يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فصلت الآية الكريمة ثمار الماء النازل من السماء وبركات إنباته في الأرض، معددة أمهات المحاصيل والأشجار المثمرة التي تقوم عليها أرزاق الناس وغذاؤهم وفاكهتهم وزيوتهم (الزرع، الزيتون، النخيل، الأعناب)، متبوعة بالتعميم لكل أنواع الثمار، ومختومة بالدعوة إلى التفكر في بديع الصنع. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ} قالوا: "الزرع: الحبوب كلها التي يقتات بها الناس؛ كالحنطة والشعير والذرة والدخن والأرز وما في معناها مما يحفظ به البدن وتقوم به الحياة؛ {وَالزَّيْتُونَ} شجرة الزيتون المباركة التي يعتصر منها الزيت للأكل والإدامة والاستصباح؛ {وَالنَّخِيلَ} شجر التمر الذي هو طعام وفاكهة وحلاوة وغذاء؛ {وَالْأَعْنَابَ} كروم العنب الرطبة واليابسة (الزبيب)؛ {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} أي: وسائر ما تنبته الأرض من فواكه وأشجار وثمار مختلفة الطعوم والألوان والروائح". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} قال: "آية ودلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتفكرون في خلق الله؛ كيف أخرج من الأرض الواحدة والماء الواحد ثماراً شتى مختلفة في ألوانها وطعومها ومنافعها". وقال الإمام القرطبي: "خص هذه الأربعة بالذكر لشرفها وعظم منافعها عند العرب؛ فالزرع للأقوات، والزيتون للإدام والدهن، والنخيل للحلاوة والقوت، والأعناب للفاكهة والغذاء؛ وختم بـ {يَتَفَكَّرُونَ} لأن خروج الثمار المختلفة من ماء واحد وتراب واحد أمر يحتاج إلى إعمال الفكر والنظر لدفع توهم الطبيعة العمياء وإثبات الفاعل المختار".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التنسيق الموضوعي يعكس كمال العناية الإلهية بغذاء البشر؛ فبدأ بالأقوات الضرورية الكلية لحفظ الحياة: {الزَّرْعَ}، ثم ثنى بالشجرة المباركة التي تجمع بين الإدام والدواء والدهن والوقود: {وَالزَّيْتُونَ}، ثم ثلث بشجرة الصحراء الخالدة التي تمد الإنسان بالطاقة والحلاوة والقوت المتكامل: {وَالنَّخِيلَ}، ثم ربع بفاكهة الخصب والكروم الرطبة واليابسة: {وَالْأَعْنَابَ}، ثم عمم تعميماً محيطاً يستوعب كل أرجاء الأرض: {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ}. ثم ختم الآية بالفاصلة المعجزة: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ لأن ظاهرة الإنبات ظاهرة حيوية مبهرة يراها الإنسان بذرة ميتة في تراب صامت يسقى بماء واحد، فإذا هي تنفلق وتخرج جذوراً وسيقاناً وأوراقاً وثماراً متباينة الأشكال والطعوم والروائح، وهذا التنوع من أصل واحد يحتاج إلى "التفكر" العميق لإدراك يد الخالق المختار المدبر وراء الطبيعة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تربية العقل على التفكر في آلاء الله: الانتقال من مجرد التمتع الحسي بالطعام والفاكهة إلى التمتع العقلي والروحي بالتفكر في صانعها ومنبتها سبحانه. 2. شكر نعمة الأمن الغذائي والتنوع الزراعي: الأقوات والثمار نعم تستوجب رعاية الأرض والزراعة واستصلاح الأراضي، وحمد الله على وفرة المحاصيل والبركات. 3. التأمل في وحدة الصانع وتنوع الصنائع: استدلال المسلم بتنوع نبات الأرض على أن الخالق واحد لا شريك له، وأن قدرته لا يعجزها شيء.