تفسير الطبري (جامع البيان): ينص الإمام الطبري (ت 310 هـ) على أن قوله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} نعت للمتقين المذكورين في الآية قبلها؛ ومعنى «طيبين» أي طاهرين من دنس الشرك والمعاصي، زاكية نفوسهم بالإيمان والعمل الصالح. وتنقل الروايات عن مجاهد وقتادة أن الطيب هنا هو الطهارة من الشرك والبراءة من النفاق. وتقول لهم الملائكة عند الاحتضار تبشيراً وتثبيتاً: سلام عليكم، أي أمن وسلامة لكم من عذاب الله ومن كل مكروه، ادخلوا الجنة بعملكم الصالح الذي تقربتم به إلى الله في الدنيا.
تفسير ابن كثير: يسوق الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الملائكة تأتي المؤمنين المتقين عند الموت في أحسن صورة وأطيب ريح، وتبشرهم بروح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، وتقول لهم: {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، وهذا في مقابلة ما قيل للظالمين في الآية (28): {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}؛ فبينما أولئك ألقوا السلم وقوبلوا بالخزي، كان هؤلاء طيبين وقوبلوا بالسلام والبشارة بدخول الجنان.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن قوله: {طَيِّبِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: طيبي القلوب والأنفس بالإيمان والذكر، والآخر: طيبة وفاتهم وسهلة خروج أرواحهم، كما تسيل القطرة من في السقاء، بخلاف الكفار الذين تنزع أرواحهم كنزع السفود من الصوف المبلول.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير): يقرر العلامة ابن عاشور (ت 1393 هـ) أن الطيب مستعار لحسن الحال وشرف النفس وزكائها وخلوها من شوائب الرذائل والشرك، وأن جملة {يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} حال من الملائكة مبينة لهيئتهم الدالة على التكريم والتبجيل لأولياء الله عند الموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَتَوَفَّاهُمُ: توفي الشيء استيفاؤه كاملاً، وتوفي الملائكة للأنفس هو قبض أرواحها واستيفاء أجلها المقدر لها في الدنيا.
طَيِّبِينَ: جمع طيب، والطيب نقيض الخبيث، ويدل في أصله على ما تلذ به الحواس والنفوس لسلامته من العيوب والكدورات.
سَلَامٌ: السلام هو التحية بالسلامة والأمان والبراءة من الآفات والمهالك.
التوجيه الإعرابي:
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ«الْمُتَّقِينَ» في الآية السابقة، أو في محل رفع بدل أو نعت لضمير الفاعل في «يَدْخُلُونَهَا».
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ: «تَتَوَفَّى» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والميم للجمع. «الْمَلَائِكَةُ» فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
طَيِّبِينَ: حال من مفعول «تَتَوَفَّاهُمُ» (أي تتوفاهم في حال كونهم طيبين زاكين)، منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم.
يَقُولُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال ثانية من الملائكة.
سَلَامٌ عَلَيْكُمُ: «سَلَامٌ» مبتدأ مرفوع بالضمة، وساغ الابتداء بالنكرة لتضمنها معنى الدعاء والتحية، «عَلَيْكُمُ» جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ: «ادْخُلُوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، «الْجَنَّةَ» مفعول به منصوب على التوسع في المكان أو منصوب بنزع الخافض.
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ: الباء سببية، «ما» مصدرية، أي بسبب عملكم الصالح، أو موصولة بمعنى بالذي كنتم تعملونه، و«كُنتُمْ» فعل ماض ناقص واسمه، وجملة «تَعْمَلُونَ» في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التناظرية مع الآية (28): هذا النظم يمثل ذروة الإعجاز البلاغي في التقابل؛ ففي الآية (28) قال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ}، وقوبل هنا بنظيره التام: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
دقة الانتقال من عموم الجزاء إلى لحظة الاحتضار: بعد أن ذكر جزاءهم في الآخرة {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}، عاد السياق إلى تصوير لحظة النهاية الدنيوية وبداية الرحلة الأخروية، ليبين أن النعيم والإكرام يبدأ من لحظة فراق الروح للجسد في الدنيا، فبشرى النعيم تسبق الدخول الحقيقي لتطمئن قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معارضة الآية لحديث (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله): يستشكل البعض قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} مع الحديث الثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ».
رد الإشكال والمحاكمة العقلية: جمع العلماء الراسخون بين الآية والحديث بدقة فائقة من جهة بيان معاني حرف «الباء»: فالباء المنفية في الحديث هي «باء المعاوضة والمقابلة والثمنية»؛ أي أن عمل العبد لا يكافئ نعيم الجنة ولا يمثل ثمناً وافياً لها، لأن نعم الله على العبد في الدنيا تستغرق كل أعماله، فدخول الجنة ابتداءً بفضل الله ورحمته المحضة. أما الباء المثبتة في الآية {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فهي «باء السببية الظاهرة»؛ أي جعل الله العمل الصالح سبباً عادياً وعلامة على توفيقه للعبد لنيل رحمته وفضله؛ فالسببية لا تنافي الفضل، والتوفيق للعمل هو نفسه محض رحمة من الله تعالى.
إطلاق الوصف {طَيِّبِينَ} حالاً، دلالة على أن صفة الطيب قد غمرت ظواهرهم وبواطنهم حتى صارت لهم سجية وطبيعة تصحبهم إلى لقاء الله.
الابتداء بالتحية {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} لإدخال الأنس المطلق على نفوسهم في أصعب اللحظات التي يفارق فيها المرء أهله ودنياه، فكانت تلك البشارة بلسماً يذهب كل وحشة وقلق.
الإشارة والتدبر الإيماني: النفس الطيبة في الدنيا هي التي تسكن إليها الملائكة عند الموت وتخاطبها بالسلام؛ فالجزاء من جنس العمل وحال الوفاة مرآة لحال الحياة، فمن عاش طيب القلب بذكر الله وتوحيده، مات طيباً وتلقته الملائكة بالسلام والأمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية النفس على مجانبة الخبث في العقيدة والقول والعمل؛ فالجنة دار الطيبين لا يدخلها خبيث، ومن أراد حسن الخاتمة فليحرص على تزكية سريرته حتى يستحق وصف «الطيب».
التطبيق العملي: الاستعداد للحظة الاحتضار بسلامة الصدر، والتوبة المستمرة من المعاصي، والاجتهاد في الأعمال الصالحة التي تجعل الملائكة بشراء بالجنة وأماناً من الفزع الأكبر.
الوجدان الإيماني: عيش المؤمن في سكينة ورجاء يرجو بها أن يكون من هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، فيزول خوف الموت الطبيعي ليحل محله شوق اللقاء والبشارة برضوان الله وجنته.