تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يعود لتذكير العباد بآلائه ودلائل قدرته ووحدانيته في إنزال المطر وإحياء الأرض الميتة؛ والمعنى: والله الذي لا إله غيره هو الذي أنزل من السحاب مطراً مباركاً، فأخرج به من الأرض النبات والزروع والثمار بعد أن كانت قاحلة يابسة ميتة لا نبات فيها؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً} أي لدلالة واضحة وبرهاناً قاطعاً على كمال قدرته على إحياء الموتى وبعث الأجساد البالية من قبورها، {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر وتفكر واستجابة، لا مجرد سماع صوت بالأذن يمر دون أثر.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى كثيراً ما يستدل بإحياء الأرض بعد موتها على المعاد والبعث؛ كما قال في سورة فصلت: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ}؛ فمن قدر على إحياء الأرض الهامدة بالنبات قادر على بعث الأرواح في الأجساد بعد فنائها، وفي هذا برهان محسوس يشهده الناس جميعاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) الجمع اللطيف في ختام الآية بـ{لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}؛ حيث نبه على أن السماع هنا هو سماع العقل والقلب؛ لأن من سمع ولم ينتفع فهو في حكم الأصم، كقوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ}؛ فالمؤمن هو الذي يصغي لحجج الله بقلب واعٍ.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية جمعت بين الامتنان بنعمة الماء التي هي قوام الحياة الدنيوية، وبين الاستدلال بها على الحياة الأخروية؛ فالذي صب الماء وأنبت شتى أصناف النبات قادر على إعادة الخلق، والسامع المتدبر يدرك هذا التلازم البديهي بمجرد سماع الآيات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أَنزَلَ: الإنزال هبوط الشيء من علو إلى سفل، وإنزال الماء من السماء نعمة مادية محسوسة.
مَوْتِهَا: موت الأرض يبسها وجفافها وانقطاع نباتها، وإحياؤها إخراج النبات والخصب فيها.
يَسْمَعُونَ: السماع هنا سماع تدبر وتفهم وقبول للحق، من سمع كلام فلان إذا أطاعه وقبله.
التوجيه الإعرابي:
وَاللَّهُ: الواو استئنافية، «اللَّهُ» لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً: «أَنزَلَ» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، «مِنَ السَّمَاءِ» جار ومجرور متعلق بـ«أَنزَلَ»، «مَاءً» مفعول به منصوب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ «اللَّهُ».
فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب، «أَحْيَا» فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، «بِهِ» متعلق بـ«أَحْيَا»، «الْأَرْضَ» مفعول به منصوب بالفتحة.
بَعْدَ مَوْتِهَا: «بَعْدَ» ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ«أَحْيَا»، «مَوْتِهَا» مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ: «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «فِي ذَٰلِكَ» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
لَآيَةً: اللام هي المزحلقة تفيد التوكيد، «آيَةً» اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ: «لِّقَوْمٍ» جار ومجرور متعلق بنعت لـ«آيَةً»، وجملة «يَسْمَعُونَ» في محل جر نعت لـ«قَوْمٍ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما بيّن الله في الآية السابقة (64) إنزال الكتاب {الْكِتَابَ} الذي يحيي الأرواح والقلوب بالهدى والبيان، أتبعه مباشرة بذكر إنزال الماء {مَاءً} الذي يحيي الأبدان والأرض بالنبات؛ ليتطابق الوحيان: وحي الشريعة لحياة القلوب، وماء السماء لحياة الأبدان.
التدرج في دلائل النعمة والتوحيد: تفتتح هذه الآية منظومة النعم الربانية الأربعة المتتالية: الماء وإحياء الأرض (65)، واللبن من بطون الأنعام (66)، وثمرات النخيل والأعناب (67)، وعسل النحل والشفاء (68-69)؛ كبراهين حسية عظمى على تفرده بالألوهية والربوبية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا خُتمت الآية بـ{لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ولم تُختم بـ«يعقلون» أو «يتفكرون»؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الدقة البلاغية والإعجازية في ختام كل آية من آيات هذا المقطع بما يناسب موضوعها؛ فنزول المطر واهتزاز الأرض بالنبات مشهد محسوس يتكرر بالصوت والصورة، وتنزيل الآيات المتلوة التي تخبر عنه يحتاج أولاً إلى «أذن واعية تصغي وتسمع» دون تشويش؛ فلما كان الحديث متصلاً بإنزال الكتاب وتلاوته في الآية السابقة، ناسب ختامها بالسماع المتدبر.
ثم تدرج القرآن في الآيات التالية بحسب عمق النظر العقلي: ففي الأنعام {لَعِبْرَةً}، وفي الثمار {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، وفي النحل وصناعة العسل {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ لتنتظم القوى الإدراكية للإنسان: السمع، فالعقل، فالتفكر العميق.
التعبير بالصيغة الاسمية المبتدأة بلفظ الجلالة {وَاللَّهُ أَنزَلَ}؛ لتقرير أن فعل الإنزال والإحياء متفرد به الحق تبارك وتعالى، فلا يدعي صنم ولا وثن إنزال قطرة ماء واحدة.
الاستعارة المصرحة في إطلاق {مَوْتِهَا} على جفاف الأرض ويبسها، وإطلاق {فَأَحْيَا} على خضرتها ونباتها؛ لما فيه من تقريب حقيقة البعث الأخروي للأذهان عبر المشهد الحي المشاهد.
تنكير {مَاءً} و{آيَةً} للتعظيم؛ فماء السماء عظيم النفع متعدد البركات، والدلالة فيه باهرة لمن ألقى السمع وهو شهيد.
الإشارة والتدبر الإيماني: تشبيه الوحي بالمطر والقلوب بالأرض؛ فكما أن الأرض الميتة تحيا بقطرات المطر، فكذلك القلوب القاسية الميتة بالجهل تحيا بآيات الذكر الحكيم إذا استمعت إليها بصدق وإخبات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية الحواس على تلقي آيات الله الكونية والشرعية؛ فالأذن خُلقت لتسمع الحق وتصغي للمواعظ، فمن عطل سمعه عن الاستجابة للهدى فقد ظلم نفسه.
التطبيق العملي: استحضار قدرة الله عند رؤية المطر ونمو النبات، والتضرع بالدعاء المأثور: «اللهم صيباً نافعاً»، واستشعار أن الأرض التي حيت بعد موتها شاهدة على حتمية يوم النشور.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بالرجاء في قدرة الله على إحياء القلوب الميتة وتفريج الكربات المستحكمة؛ فالذي أحيا الأرض اليابسة قادر على تفريج هموم العبد وبعث الأمل في روحه.