وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
انتقل المشهد القرآني انتقالاً مشرقاً بهيجاً إلى مقابلة موقف المشركين بموقف أهل التقوى والإيمان؛ فبين كيف يستقبل المتقون سؤال الوافدين بالثناء الصادق على الوحي والاعتراف بأنه محض الخير والبركة والهدى، وتكفل الله لهم بالجزاء الأوفى: حسنة وسعادة في الدنيا، ودار الآخرة خير وأبقى، نعم دار المتقين. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا} قالوا: "لما وقف المشركون ينفرون الناس ويقولون: أساطير الأولين، سأل الوافدون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتقين: ماذا أنزل ربكم على محمد؟ فأجابوا باليقين الصادق والسرور: أنزل خيراً؛ أي رحمة وهدى وبركة ورشداً وصلاحاً للدنيا والآخرة". وفي قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} قال قتادة: "الحسنة في الدنيا: النصرة والعافية والرزق الطيب والحياة الطيبة وراحة القلب، ولدار الآخرة خير لهم من الدنيا وما فيها، ولنعم دار المتقين الجنة". وروى البخاري ومسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له". وقال الإمام القرطبي: "نصبوا قوله {خَيْرًا} على إضمار الفعل، والتقدير: أنزل خيراً؛ اعترافاً وتصديقاً بالإنزال الإلهي للقرآن، بخلاف المشركين الذين رفعوا {أَسَاطِيرُ} لإنكار الإنزال؛ وجمع الله للمحسنين بين حسنة الدنيا وسعادة الآخرة، وختم بالمدح العظيم: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التقابل الإعجازي بين الآية (24) وهذه الآية (30) يمثل قمة الفصاحة والإتقان في البيان القرآني؛ فلنعقد المقارنة النظمية المذهلة بينهما:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الشهادة بالحق والثناء على دين الله: شأن المؤمن الصادق أن يصدع بمحاسن الإسلام وفضل القرآن في كل محفل ولقاء؛ ليكون داعية للحق وناشراً للخير. 2. الجمع بين الإحسان في العمل ونيل الحسنيين: الترغيب في الإحسان في القول والعمل والعبادة؛ فإن ثمرة الإحسان عاجلة في انشراح الدنيا، وآجلة في نعيم الآخرة المقيم. 3. تزكية النفس بالتقوى: التقوى هي الحصن الحصين والمفتاح الأوحد لدخول دار المتقين؛ فمن اتقى الله نال خير الدارين وسعد في المنقلبين.