وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
بينت الآية الكريمة عظيم تدبير الله في تثبيت القشرة الأرضية بجبال ثقيلة راسخة كالأوتاد؛ لئلا تضطرب الأرض وتميد وتكفأ بساكنيها، وشق الأنهار العذبة الجارية لسقياهم، وفتح الطرق والمسالك الممهدة ليهتدوا بها في أسفارهم ومعايشهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفأ وتضطرب كالسفينة في الماء، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة أحداً على ظهرها! فأصبحوا وقد ألقى الله فيها الجبال الرواسي فأثبتها واستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال وثبات الأرض بها". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} قال: "أي كراهية أن تميد بكم وتتحرك وتضطرب؛ والرواسي: الجبال الثوابت الثقال؛ والسبل: الطرق والمسالك الممهدة بين الجبال؛ وأنهاراً: شق في الأرض أنهاراً عظاماً تسوق الماء العذب من بلد إلى بلد". وقال الإمام القرطبي: "الرواسي: الثوابت، من رسا الشيء يرسو إذا ثبت واستقر؛ وأن تميد بكم أي لئلا تميد بكم، والميد: الحركة والاضطراب والميل من جانب إلى جانب؛ وميدان الأرض اضطرابها وزلزالها؛ فجعل الله الجبال كالأوتاد التي تمسك القشرة الأرضية وتثبتها".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الترتيب البياني يمثل قمة التناسق الجغرافي والجيولوجي المتقن؛ فبعد أن تحدث عن البحر العظيم المائع المتحرك في الآية السابقة، كان من البدهي أن يلتفت إلى الأرض اليابسة التي تحيط بالبحر، فبين كيف ثبتها الله وأرساها بالجبال لئلا تميد بالسكان كما يميد راكب البحر في أمواجه: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}. ثم ذكر عنصرين حيويين متلازمين مع الجبال:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة استقرار الأرض والسكينة فيها: استشعار نعمة الثبات؛ فلو اضطربت الأرض تحت أقدامنا لما قامت مبانٍ ولا استقرت حياة ولا أمكن زرع ولا بناء. 2. شكر نعمة الأنهار وشبكات الطرق الممهدة: حماية الأنهار من التلوث وشكر الله على تيسير السبل والمواصلات بين المدن والبلدان. 3. الربط بين الهداية الحسية والهداية الروحية: كما يحتاج المسافر إلى السبل الواضحة ليصل إلى مقصده الدنيوي، فكذلك يحتاج السالك إلى الله إلى صراط الشريعة الواضح ليصل إلى جنات النعيم.