وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
انتقلت السورة الكريمة إلى استعراض عالم البحار والمحيطات الهائل الذي يغطي معظم مساحة كوكب الأرض، ممتنة بنعمة تذليله وتسخيره للإنسان لاستخراج الغذاء البروتيني الطري (الأسماك وسائر صيد البحر)، واستخراج الحلي والزينة الثمينة (اللؤلؤ والمرجان)، وتسيير السفن العملاقة التي تشق الأمواج لنقل التجارات وتحقيق المصالح، ليكون ختام ذلك الشكر للمنعم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا في قوله: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ}: "سخر البحر ذلله للناس وهيأه لمنافعهم؛ {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} يعني: حيتان البحر وصيده؛ وسماه طرياً لسرعة فساده وتغيره إن لم يؤكل أو يملح، ولطراوته وعذوبته مع أنه يعيش في ماء مالح أجاج؛ {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني: اللؤلؤ والمرجان تلبسه نساؤكم ويتزين به الناس؛ {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: السفن تشق الماء شقاً بجؤجؤها وتجري بالريح أو المجاديف ذهاباً وإياباً؛ {وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني: التجارة ونقل الأمتعة والأرزاق بين الأقطار الشاسعة؛ {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على ما سخر لكم من ذلك". وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة جيش الخَبَط قال: "ألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر، وادّهنا من ودكها حتى صفت أجسامنا، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فمر تحته وما مسه". وقال الإمام القرطبي: "سخر البحر مع عظم هوله وشدة أمواجه حتى صار منقاداً للإنسان يركبه ويستخرج غنائمه؛ وامتن باللحم الطري لأنه أحل صيد البحر ميتته للمسلمين رحمة بهم؛ وامتن بالحلية لأنها من تمام النعمة والزينة؛ والمواخر: التي تشق الماء، مأخوذ من مَخَرَتِ السفينةُ الماءَ إذا شقته بصدرها وصوت الماء ينضح عن جانبيها".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النظم البديع ينتقل بالعقل من استعراض نعم اليابسة (الأنعام، النبات، الألوان، الطرق) إلى استعراض النعمة المائية الهائلة: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ}. ورتب منافع البحر ترتيباً نفسياً واقتصادياً غاية في الحكمة:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة الثروات البحرية والاستثمار فيها: الاستفادة من الموارد البحرية الهائلة في تأمين الغذاء واستخراج المعادن وتسيير التجارة البحرية التي هي عصب الاقتصاد العالمي. 2. الاستعانة بالسفر البحري على التفكر في جلال الله: من ركب البحر رأى من عجائب قدرة الله وعظمته ما يملأ قلبه خضوعاً وتوكلاً على الله وحده. 3. التأكيد على طهارة صيد البحر: حل صيد البحر وحيواناته للمسلمين تيسيراً من الله ورحمة؛ فكل ما صيد من البحر حلال طيب طعاماً للمؤمنين.