وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
لفتت الآية الكريمة الأنظار إلى بعد نفسي وجمالي رفيع في تسخير الأنعام؛ فلم يقتصر الامتنان الإلهي على المنافع المادية المحضة من الدفء والأكل والحمل، بل ارتقى إلى الامتنان بنعمة "الجمال والبهجة والزينة" التي تسر الناظرين وتبعث الفخر والارتياح في نفوس أصحابها حين عودتها وحين انطلاقها. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} قالوا: "الجمال: الزينة والبهاء والوقار؛ وحين تريحون: حين تردونها بالعشي من مراعيها إلى مراحها ومنازلها حيث تأوي؛ وحين تسرحون: حين تخرجونها بالغداة إلى مسارحها ومراعيها لترعى". وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "هو حين تروح وحين تسرح؛ تروح عظام الضروع ممتلئة بطوناً، حافلة ألباناً، وتخرج غادية تبتغي الرعي نشيطة، فذلك من أحسن ما يرى الناس من البهاء والجمال والغنى". وقال الإمام القرطبي: "قدم الرواح على السراح هاهنا لأن الجمال في الرواح أظهر وأكمل؛ فإنها إذا راحت أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع باللبن، بادية السمن، مقبلة إلى أهلها تأوي إليهم، فكان سرور صاحبها بها وفرحه أعظم؛ بخلاف الصباح فإنها تخرج جياعاً ضامرة متفرقة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النظم البديع يرسي فلسفة الإسلام الراقية في تقدير "الحس الجمالي الفطري"؛ فبعد أن ذكر النعم المادية الجسدية (الدفء والمنافع والأكل) في الآية السابقة، أتبعها مباشرة بالنعمة الروحية والنفسية: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ}. وتقديم الرواح بالعشي {حِينَ تُرِيحُونَ} على السراح بالغداة {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} مع أن السراح يسبق الرواح في الترتيب الزمني اليومي، هو من أسرار البلاغة النظمية الإعجازية:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. تربية الحس الجمالي والذوق الرفيع: حث المسلم على تذوق الجمال في مخلوقات الله وتأمل بديع صنعته في الحيوان والنبات والكون؛ فإن رؤية الجمال عبادة تقرب إلى الله. 2. استحضار فضل الله في التوسعة والغنى: من رزقه الله مالاً حسناً أو بهائم وأملاكاً فليستشعر نعمة الله عليه، وليظهر أثر نعمة الله عليه في غير سرف ولا مخيلة. 3. التوازن بين المطالب المادية والروحية: الشريعة تراعي إشباع حاجات الجسد بالغذاء، وإشباع أشواق الروح والقلب بالجمال والبهجة المشروعة.