تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يصف ارتباك المشرك واضطرابه النفسي والاجتماعي عقب تلك البشارة؛ والمعنى: يختفي ويستتر ذلك المشرك عن عيون قومه وعشيرته حياءً وخجلاً وفراراً من لومهم من سوء ما بُشّر به؛ أي من قبح ما يعده عاراً ومكروهاً وهو ولادة الأنثى، ثم يقف متردداً بين خيارين كلاهما في غاية الظلم والقبح: أيبقي هذه المولودة حية في دار الدنيا على هوان وذل واحتقار، أم يدفنها في التراب حية حتى تموت وهو الوأد الشنيع؟! ثم حكم الله تعالى عليهم بالتقريع والتنديد: {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}؛ أي بئس وبطل وقبح ما يقضون به ويحكمون حين ينسبون لخالقهم ما يكرهونه لأنفسهم ويستقبحونه غاية الاستقباح.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا تصوير لوأد البنات في الجاهلية؛ حيث كانت بعض قبائل العرب (مثل تميم وقريش) تدفن البنات أحياءً خشية الإملاق والعار، فإذا وُلدت له أنثى توارى عن مجالس قومه خجلاً، وظل يفكر متردداً: هل يمسكها حية مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، أم يدسها في حفرة من التراب ويهيل عليها التراب وهي حية حتى تزهق روحها؟! كقوله تعالى في سورة التكوير: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}؛ فختم الآية بذم هذا الحكم الجائر {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الهون» و«الدس»؛ فالهون هو الهوان والذل والخزي، والدس هو الإخفاء والإدخال تحت الأرض بعنف وإحكام، ومنه الدسيسة. ويشير القرطبي إلى تنزيه شريعة الإسلام العظيمة التي حرمت الوأد وجعلته قتلاً للنفس بغير حق، وأوجبت صيانة البنت وإكرامها.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذا المشهد من أشنع المشاهد الإنسانية التي انحدرت إليها الجاهلية؛ فقسوة القلب والجفاء بلغا بهم أن يقف الوالد حائراً بين إذلال ابنته طوال حياتها أو دفنها حية في التراب وهي تنظر إليه! ثم التعقيب الإلهي الصارم {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} الذي يدمغ كل أحكامهم بالفساد والقبح في حق الله وفي حق خلقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يَتَوَارَىٰ: التواري هو الاختفاء والاستتار في وراء الشيء حتى لا يُرى.
هُونٍ: الهوان والذل والخزي والضعة، بضم الهاء؛ أما الهَوْن بالفتح فهو الرفق واللين والسكينة.
يَدُسُّهُ: الدس إدخال الشيء في الشيء وتغطيته به بقوة وإخفاء، ومنه دس الأنف في التراب.
سَاءَ: فعل ماض جامد لإنشاء الذم نقيض نِعْمَ.
التوجيه الإعرابي:
يَتَوَارَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على «أحدهم»، والجملة في محل نصب حال ثانية أو مستأنفة.
مِنَ الْقَوْمِ: جار ومجرور متعلق بـ«يَتَوَارَىٰ».
مِن سُوءِ: جار ومجرور متعلق بـ«يَتَوَارَىٰ» والجار هنا للتعليل والسببية (أي لأجل سوء ما بشر به).
مَا بُشِّرَ بِهِ: «مَا» اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه، «بُشِّرَ» فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، «بِهِ» متعلق بـ«بُشِّرَ»، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
أَيُمْسِكُهُ: الهمزة للاستفهام المعلق للفعل عن العمل اللفظي، «يُمْسِكُهُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والهاء ضمير مذكر يعود على «ما بشر به» (أو على المولود)، والجملة في محل نصب بدل من جملة يتردد المقدرة أو مقول لقول محذوف (قائلاً في نفسه: أيمسكه).
عَلَىٰ هُونٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من مفعول «يمسكه» (أي يمسكه كائناً على حال هوان وذل).
أَمْ يَدُسُّهُ: «أَمْ» حرف عطف متصلة لمعادلة الهمزة، «يَدُسُّهُ» فعل مضارع معطوف على «يمسكه»، والهاء مفعول به.
فِي التُّرَابِ: جار ومجرور متعلق بـ«يَدُسُّهُ».
أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ: «أَلَا» أداة استفتاح وتنبيه، «سَاءَ» فعل ماض لإنشاء الذم مبني على الفتح، «مَا» نكرة موصوفة في محل رفع فاعل لـ«ساء» أو اسم موصول، وجملة «يَحْكُمُونَ» نعتها أو صلتها، والمخصوص بالذم محذوف تقديره (حكمهم بجعل البنات لله أو حكمهم في الوأد والإذلال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: استكمال درامي باهر للمشهد النفسي للمشرك؛ فبعد أن تغير وجهه بالظلمة وانكظم صدره بالغيظ في الآية (58)، ترصد هذه الآية حركته وسلوكه الخارجي: الفرار من المجتمع والتواري خجلاً، ثم حيرته الداخلية الممزقة بين الإبقاء الذليل أو القتل الإجرامي البشع.
التذييل بالحكم الإلهي القاطع: ختم المشهد بقوله: {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}؛ وهو تذييل جامع ينسف جميع أحكامهم: حكمهم في حق الله بنسبة البنات له وتنزيه أنفسهم، وحكمهم في حق بناتهم بالدفن حية أو الإذلال؛ فكل أحكامهم جاهلية وظلم وسفاهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تذكير الضمير في قوله {أَيُمْسِكُهُ} و{يَدُسُّهُ} مع أن السياق في الأنثى:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
عاد الضمير مذكراً في «يمسكه» و«يدسه» حملاً على لفظ {مَا} في قوله {مَا بُشِّرَ بِهِ}؛ لأن «ما» لفظها مذكر؛ وهو أسلوب عربي مشهور في الحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى تارة أخرى.
أو عاد الضمير على لفظ «المولود» أو «الولد» أو «الشيء» المقدر في سياق البشارة؛ فالمولود يصدق على الذكر والأنثى؛ وفيه نكتة بلاغية لطيفة: كأن المشرك من شدة كراهيته للأنثى يستثقل حتى نطق ضمير التأنيث، فيعبر عنه بالمبهم المذكر احتقاراً لشأنه!
تصوير التواري بحركة الجبان الخائف المستتر من عيون الناس {يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ}؛ لإبراز مدى السطوة الاجتماعية الجاهلية التي تحكم تصرفاتهم وتدفعهم لقتل فلذات أكبادهم.
صياغة التردد بين الخيارين بالهمزة و«أم» {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ}؛ لتصوير المأساة التي تنتظر تلك الطفلة البريئة: فإما حياة ممزوجة بالذل والقهر، وإما موت مروع تحت أطباق الثرى.
الاستفتاح بـ{أَلَا} التنبيهية التي توقظ الغافل، وإطلاق الذم بـ{سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} لتعميم القبح على كل منظومتهم الفكرية والتشريعية.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم ثورة تشريعية وإنسانية قادها القرآن الكريم هي إنقاذ المستضعفين والنساء من براثن الجاهلية؛ حيث أعلن الحرب على ثقافة الوأد والاحتقار، وجعل للمرأة ذمة وكرامة وحقاً مقدساً في الحياة والميراث والاحترام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ حقوق الإنسان والرحمة بالضعفاء في المنهاج الإسلامي؛ فالقسوة والتحكم بالأعراف الفاسدة تقود المجتمعات إلى أحط دركات الوحشية.
التطبيق العملي: حسن رعاية البنات والإنفاق عليهن بالمعروف وإشعارهن بالحب والكرامة والمكانة العالية في الأسرة والمجتمع؛ امتثالاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بحمد الله والثناء عليه على نعمة الإسلام وشريعته الغراء التي محت ظلمات الجاهلية ورفعت قيمة الروح الإنسانية وطهرت القلوب من القسوة والعمى.