أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
افتتحت سورة النحل باستهلال مهيب حاسم يقرر حتمية وقوع القضاء الإلهي، زاجراً المشركين عن استعجال العذاب والقيامة، ومقدساً الذات الإلهية عن كل شائبة شرك. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما أنزل الله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو آتٍ، فلما رأوا أنه لا ينزل بهم شيء قالوا: ما نرى شيئاً! فأنزل الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}، فأشفقوا وانتظروا، فلما امتدت بهم الأيام قالوا: يا محمد، ما نرى شيئاً مما تخوفنا به! فأنزل الله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}، فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس أيديهم وظنوا أنها القيامة قد قامت، فنزلت: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فسكنوا". وروى ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي منادٍ فيها: يا أيها الناس، فيقبل الناس على بعض، فهل سمعتم؟ فمنهم من يقول نعم ومنهم من يشك، ثم ينادي: يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه". وقال الإمام القرطبي: "أمر الله هاهنا فيه تأويلان لأهل التفسير: أحدهما: القيامة والساعة، عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها وقربها؛ والثاني: عقاب الله للمشركين بالسيف وبدر والنكال العاجل في الدنيا، والنهي عن الاستعجال خطاب للمشركين الذين كانوا يقولون تهكماً: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الاستهلال المعجز في غاية التناسب مع ختام سورة الحجر السابقة؛ فسورة الحجر ختمت بقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، ثم توعدهم باليقين {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}، فافتتحت سورة النحل بإعلان مباغت قاطع لذلك الوعيد: {أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}. والتعبير بصيغة الفعل الماضي {أَتَىٰ} مع اقترانه بنهي الاستقبال {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} يمثل قمة التوتر البلاغي المعجز؛ فالمخبر عنه مستقبل لم يقع بعد، ولكن التعبير عنه بالماضي يرفع عنه كل ريب، فكأنه حاضر كائن يراه الرائي عياناً. ثم عطف التنزيه {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ} بعد تقرير دنو الأمر للإشعار بعلة هذا العقاب؛ فالأمر والعذاب إنما ينزلان جزاء شركهم بالله واستكبارهم على أمره، فافتتح السورة بتنزيه الألوهية لتكون منطلقاً لكل ما سيرد بعدها من دلائل الخلق والنعم.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. اليقين بحتمية نصر الله ومجيء الساعة: على المؤمن أن يوقن بأن وعد الله بالجزاء والبعث قائم لا يتخلف، وأن إمهال الظالمين سنة ربانية لاستدراجهم وإقامة الحجة عليهم. 2. الأدب مع الله وعدم استعجال الأقدار: التربية على الرضا والصبر والتسليم لمراد الله وتوقيته الحكيم؛ فالأمور مرهونة بأوقاتها المقدرة في الأزل. 3. تنزيه الله تعالى أصل التوحيد: افتتاح كل بيان وكل عمل بتسبيح الله وتقديسه وتنزيهه عن الشركاء والنقائص؛ فالتنزيه هو مفتاح المعرفة الإلهية الصحيحة.