تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) بإسناده عن مجاهد وقتادة وبريدة أن هذه الآية نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام؛ والمعنى: وأتموا أيها المؤمنون بيعتكم وعهدكم الذي عاهدتم الله عليه باتباع رسوله ونصرة دينه والالتزام بشرائعه؛ ولا تنقضوا الأيمان والعهود المؤكدة التي حلفتم بها بعد أن أحكمتموها وغلظتموها باسم الله، وقد جعلتم الله شاهداً وضامناً وكفيلاً على صدقكم ووفائكم؛ إن الله عليم بجميع أفعالكم وضمائركم، وسيجازيكم على نقض العهد وخيانته أشد الجزاء.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الوفاء بالعهود والأيمان من أعظم فرائض الإسلام وقواعده الكبرى؛ فالأمر عام يشمل عهود الله بين العبد وربه (كالنذور والبيعة)، وعهود العباد بينهم في المعاملات والأحلاف والمواثيق؛ فإذا غلظ الإنسان اليمين وعقد العقد مستشهداً بالله كفيلاً وشهيداً، حَرُم عليه نقضه وخيانته، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقال صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا... وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» (متفق عليه).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى الفقهي لـ«توكيد الأيمان»؛ وهو إحكامها وتغليظها بأسماء الله وصفاته وإظهار العزم عليها؛ و«الكفيل» هو الضامن والرقيب والشهيد. ويبين القرطبي أن الآية تقرر حرمة الغدر ونقض العهود والمواثيق حتى مع الكفار ما داموا مستقيمين على عهدهم، وأن الغدر خلق خسيس ينافي المروءة والإيمان.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن الوفاء بالعهود عنوان الصدق والأمانة؛ فمن جعل الله كفيلاً عليه ثم نقض عهده فقد استخف بعظمة الله وجعل اسمه وسيلة للخديعة والغدر؛ فتوعدهم الله بعلمه التام بأفعالهم وجزائه الحاسم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
عَهْدِ اللَّهِ: ما التزمه العبد من بيعة أو نذر أو يمين أو عقد بينه وبين الله أو بينه وبين الناس باسم الله.
إِذَا عَاهَدتُّمْ: «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان، «عَاهَدتُّمْ» فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة في محل جر بالإضافة لـ«إذا».
بَعْدَ تَوْكِيدِهَا: «بَعْدَ» ظرف زمان متعلق بـ«تَنقُضُوا»، «تَوْكِيدِهَا» مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
وَقَدْ جَعَلْتُمُ: الواو حالية، «قد» حرف تحقيق، «جَعَلْتُمُ» فعل ماض والتاء فاعل والميم للجمع وحركت بالضم للساكنين.
اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا: «اللَّهَ» مفعول به أول منصوب، «عَلَيْكُمْ» متعلق بـ«كَفِيلًا»، «كَفِيلًا» مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال من فاعل «تنقضوا».
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ: إن واسمها، وجملة «يَعْلَمُ» خبرها، «مَا» اسم موصول مفعول به، وجملة «تَفْعَلُونَ» صلتها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أمر الله بالعدل والإحسان في الآية (90)، ثنّى هنا بأعظم مظاهر العدل والصدق وهو «الوفاء بالعهود والمواثيق والأيمان»؛ فالعهود هي أساس استقرار المجتمعات والأمن الإنساني، وبدون الوفاء تنهار كل علاقات الثقة بين البشر وتتحول الحياة إلى غاب من المكر والخديعة.
الارتباط الدقيق بالبيعة النبوية: كان المشركون في مكة يحاولون إغراء الضعفاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع ونقض بيعتهم، فجاءت الآية لتثبتهم وتغلظ عليهم حرمة نكث اليمين بعد توكيدها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يجمع بين النهي عن نقض الأيمان وبين حديث (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير)؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الأيمان نوعان:
النوع الأول: «أيمان العهود والمواثيق وحقوق العباد والبيعة»؛ فهذه أيمان لازمة يحرم نقضها قطعاً ولا تجزئ فيها كفارة، لأن نقضها غدر وخيانة وضياع للحقوق وظلم للبشر، وهي المعنية في الآية قطعا {وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}.
النوع الثاني: «أيمان الشخص مع نفسه في المباحات أو في قطيعة رحم ومعصية»؛ كأن يحلف ألا يكلم أخاه أو ألا يتصدق؛ فهذا يندب له أو يجب عليه أن يحنث ويكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين ويأتي الذي هو خير، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تعارض بين نصوص الوحي.
تصدير النهي بعد الأمر بالوفاء {وَأَوْفُوا... وَلَا تَنقُضُوا}؛ للجمع بين الأمر بالثبات والنهي الصريح عن ضده، وهو أبلغ في تأكيد الإلزام.
الحال المؤكدة لشناعة الجرم {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا}؛ فكيف يتجرأ الإنسان على جعل الخالق العظيم ضامناً وشاهداً ثم يخون كفالته ويستهين باسمه العظيم؟!
التهديد الرقيق الحاسم في ختام الآية {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}؛ لبيان أن كل نية غدر خفية مكشوفة أمام علم الله وسيحاسب عليها.
الإشارة والتدبر الإيماني: قدسية الكلمة والميثاق في الإسلام؛ المؤمن لا يغدر ولا يخون ولو كان مع عدوه، فالوفاء بالعهد عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وشرف إنساني رفيع يرفع قدر صاحبه في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنشئة الأجيال على تعظيم العهود والوفاء بالوعود؛ فالمسلم كلمته عهد ويمينه أمانة، والغدر داء مهلك يذهب بالمروءة والدين.
التطبيق العملي: الالتزام الصارم بالعقود المالية والتجارية وشروط العمل والمعاهدات، وتجنب الحلف بالله كذباً أو استخدام الأيمان للتغرير بالآخرين.
الوجدان الإيماني: تعظيم اسم الله وجلاله في القلوب، والحذر الشديد من الاستهانة باليمين والشهادة، واستشعار رقابة الله المحيط بكل سر وعلانية.