يخبر الله تعالى عن العاقبة الكارثية لمن استحب الدنيا واستمرأ الردة وعاند الحق؛ بأن ضرب على منافذ إدراكه بحجاب الطبع والختم، فلا ينتفع بنور الوحي ولا بموعظة.
تفسير الطبري (14/ 343)مصدر غير محدد١٤/٣٤٣: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الطبع هو الختم؛ ختم الله على قلوبهم فلا تعي خيراً ولا تفقه حقاً، وعلى أسماعهم فلا تسمع كتاب الله سماع تدبر وقبول، وعلى أبصارهم فلا تبصر آيات الله الكونية والشرعية إبصار اعتبار، وصاروا بمنزلة من فقد هذه الحواس تماماً.
تفسير ابن كثير (4/ 605)مصدر غير محدد٤/٦٠٥: يوضح ابن كثير أن الطبع عقوبة من جنس العمل؛ فلما عطلوا قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم عن الاستجابة للحق ورغبوا عنها، سلبهم الله خاصية الانتفاع بها فصاروا في غفلة مطبقة عما يراد بهم من عذاب الآخرة.
البغوي (5/ 50)مصدر غير محدد٥/٥٠: ينقل البغوي عن أهل السنة أن الطبع صفة تمنع القلوب من الإيمان جزاءً لعتوهم، وأن الغافلين هم الذين غفلوا عما أعد الله لهم من الخزي والنكال في المعاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الطبع: الختم والتغطية على الشيء بحيث لا يدخله شيء ولا يخرج منه ما فيه، وأصله التأثير في الشيء كالطبع على الدرهم ونحوه.
الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وإغفال الأمر: تركه عن غير نسيان مع وجود الداعي إلى تذكره.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{طَبَعَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {طَبَعَ}، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}: معطوفان على قلوبهم مجروران، وجملة {طَبَعَ اللَّهُ} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
إعراب {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}:
الواو عاطفة أو استئنافية، {أُولَٰئِكَ}: مبتدأ أول.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
{الْغَافِلُونَ}: خبر المبتدأ الأول مرفوع بالواو (أو خبر الثاني والجملة خبر الأول).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب منافذ المعرفة والإدراك: ذكر {قُلُوبِهِمْ} أولاً لأنها مقر العقل والتدبر والإرادة والتمييز، ثم ثنى بـ {سَمْعِهِمْ} لأنه وسيلة تلقي الوحي والأدلة السمعية والنقلية، ثم ثلث بـ {أَبْصَارِهِمْ} لأنها وسيلة النظر في الآيات الآفاقية ومدركات الحس؛ فلما سدت هذه المنافذ الثلاثة استحال وصول النور إلى أرواحهم.
تكرار اسم الإشارة {وَأُولَٰئِكَ}: كرر اسم الإشارة للبعيد مرتين لتقرير شناعة حالهم؛ فالأولى لبيان حلول عقوبة الطبع، والثانية لحصر الغفلة التامة فيهم، كأنهم هم الغافلون حقاً وكل غفلة سواهم هينة.
الربط بالآية السابقة واللاحقة: لما ذكر في السابقة أنهم استحبوا الحياة الدنيا، بين هنا كيف استحكمت مادتها على حواسهم حتى ألغت وظائفها الإنسانية العليا، فتمخض عن ذلك خسرانهم التام في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خلق الكفر والجبر الإلهي بالطبع:
قد يثير المشكك سؤالاً: إذا كان الله هو الذي طبع على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فكيف يلومهم ويعاقبهم وهم مطبوع عليهم؟
الجواب العقلي والشرعي: الطبع لم يكن ابتداءً دون كسب منهم ولا قهراً لهم على ترك إيمان رغبوا فيه؛ بل جاء عقوبة تابعة لاختيارهم الحر وإيثارهم الكفر واستحبابهم الدنيا وإعراضهم المستمر عن آيات الله وبراهينه، فجازاهم الله بإغلاق المنافذ التي أبوا أن يستعملوها في طاعته، كما قال سبحانه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فهذا عدل إلهي محض؛ لأن من أفسد بصره بيده لا يلوم الطبيب إذا حكم عليه بالعمى.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
المجاز والاستعارة في {طَبَعَ}: استعارة تمثيلية لامتناع قبول القلوب للحق واستعصائها على الهداية كالإناء المختوم الذي يستحيل أن ينفذ إليه ماء أو طيب.
الإفراد والجمع في {قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}: جمع القلوب والأبصار لتعدد بواعثها ومدركاتها، وأفرد السمع لأنه مصدر في الأصل، أو لأن المسموع واحد وهو الصوت المجرد، بينما المبصرات والخواطر شتى.
الحصر والتعريف في {هُمُ الْغَافِلُونَ}: استخدام ضمير الفصل وتعريف الخبر يفيد قصر الغفلة الحقيقية عليهم؛ فإن أشنع الغفلة هي الغفلة عن المصير الأخروي والجنة والنار مع وضوح النذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: يدرك الداعية أن هداية القلوب بيد مقلب القلوب، وأن دور الرسل والدعاة هو البلاغ المبين، فإذا رأى إعراضاً مستحكماً وطبعاً ظاهراً لم يحزن ولم ييأس، بل علم أن سنن الله في المعاندين ماضية.
التوجيه التربوي: خطورة التمادي في الذنوب والغفلات؛ فإن الذنب ينكت في القلب نكتة سوداء، حتى يعلوه الران ثم يطبع عليه، فيعجز صاحبه عن التمييز بين الحق والباطل والنافع والضار.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً وإشفاقاً من عقوبة الطبع وسلب نور البصيرة، فيلهج دائماً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ويحافظ على يقظة قلبه وحواسه بطاعة ربه.