تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام الطبري (ت 310 هـ) بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية؛ والمعنى: ومن ثمرات النخيل وأعناب الكروم ما تطعمونه وتنتفعون به، فتتخذون من عصيره «سكراً»؛ وهو الخمر والمسكر قبل تحريمها، وقيل: الخل والنبيذ الحلال الذي لا يسكر؛ و«رزقاً حسناً»؛ وهو التمر والزبيب والخل والدبس والرطب والعصير الحلال النافع؛ وهذه الآية مكية نزلت قبل تحريم الخمر، فكانت توطئة وتمهيداً للتحريم؛ حيث امتن الله بالرزق الحسن وفصل السكر عنه، فدل على أن السكر ليس من الرزق الحسن، ثم نزل تحريم الخمر باتاً في سورة المائدة.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يمتن على عباده بما جعله لهم في ثمرات النخيل والأعناب من المنافع والأغذية؛ فذكر ما يصنعونه منها: فالسكر هو ما كانوا يخمرونه ويصنعون منه الأنبذة المسكرة قبل التحريم، والرزق الحسن هو ما يدخرونه من الأقوات الطيبة كالتمر والزبيب والعصير؛ وقيل: السكر في لغة الحبشة هو الخل، وقيل: الطعام والحلاوة؛ ثم ذيل الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأن العقل السليم يميز بين الطيب والخبيث والنافع والضار.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) القول الراجح أن الآية منسوخة بحكم تحريم الخمر في المائدة إن كان السكر يراد به الخمر المسكرة، أو محكمة إن كان السكر يراد به الخل أو الطُّعْم الحلال أو عصير الرطب قبل أن يغلي ويسكر؛ ويبين أن تخصيص النخيل والأعناب بالذكر لكونهما أشرف أشجار الثمار وأكثرها منافع وأعظمها بركة في جزيرة العرب.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن النخلة وشجرة العنب من أعظم آيات الله النباتية؛ فمن تلك الثمار يتخذ الناس طعاماً حلواً ورزقاً حسناً يدخر لسنوات ويسد الحاجات، ويتخذون منه أنواع الأشربة؛ وفي اختلاف منافعها وأشكالها دلالة واضحة لقوم يعقلون؛ لأن إعمال العقل يقود إلى معرفة حكمة الصانع ورحمته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
سَكَرًا: السكر في اللغة كل ما يسكر ويسلب العقل، ويطلق على الخل، وعلى الشراب الحلو، وعلى الطُّعْم؛ وأصل المادة سكر أي حبس وسد؛ والمسكر سمي سكراً لأنه يسد طريق العقل ويحبس رشده.
رِزْقًا حَسَنًا: الرزق الحلال الطيب الذي يغذي الأبدان بلا ضرر ولا غائلة ولا إثم، كالتمر والزبيب والدبس.
يَعْقِلُونَ: العقل الإدراك والربط والحبس عن القبيح؛ وسُمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن الهوى والرذائل.
التوجيه الإعرابي:
وَمِن ثَمَرَاتِ: الواو عاطفة، «مِنْ» حرف جر متعلق بفعل محذوف تقديره (ونسقيكم أو ونطعمكم من ثمرات)، أو متعلق بـ«تَتَّخِذُونَ»، «ثَمَرَاتِ» اسم مجرور بالكسرة وهو مضاف.
النَّخِيلِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
وَالْأَعْنَابِ: معطوف على النخيل مجرور بالكسرة.
تَتَّخِذُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
مِنْهُ: جار ومجرور متعلق بـ«تَتَّخِذُونَ»، وأفرد الضمير المذكر عوداً على «المذكور» أو على «ما» المحذوفة (أي مما نتج منه)، أو عوداً على الرزق أو العصير.
سَكَرًا: مفعول به أول لـ«تَتَّخِذُونَ» منصوب بالفتحة الظاهرة.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ: «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «فِي ذَٰلِكَ» جار ومجرور خبر إن مقدم.
لَآيَةً: اللام المزحلقة، «آيَةً» اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة.
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: «لِّقَوْمٍ» نعت لـ«آيَةً»، وجملة «يَعْقِلُونَ» نعت لـ«قَوْمٍ» في محل جر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: التدرج في عرض مصادر الغذاء والشراب؛ فبدأ بالماء النازل من السماء (الشراب الأولي)، ثم ثنى باللبن المستخرج من بطون الحيوان (الشراب الحيواني)، ثم ثلّث هنا بالشراب والطعام المستخرج من ثمار النبات والكروم؛ لتتكامل دورة الغذاء التي سخرها الله للإنسان.
التمهيد التشريعي الدقيق لتحريم المسكرات: من روائع الإعجاز القرآني أنه لما قرن السكر بالرزق الحسن: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}، وصف الرزق وحده بالحسن وسكت عن وصف السكر؛ مما أحدث نفوراً ضمنياً في ذوق المسلم العاقل بأن هذا السكر ليس حسناً، فكان ذلك خطوة تمهيدية بارعة نحو التحريم النهائي القاطع في سورة المائدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل يستدل بالآية على إباحة شرب المسكرات والخمر؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الآية مكية بنص إجماع أئمة التفسير، نزلت في مكة حين كان شرب الخمر مباحاً على الأصل في الجاهلية وأول الإسلام؛ والآية في سياق الامتنان بما كان يفعله الناس من الانتفاع بتلك الثمار، ولم تنزل لبيان الحل والحرمة التكليفية.
ثم تدرجت الشريعة الإسلامية بحكمة بالغة في تحريم الخمر على مراحل:
المرحلة الأولى: الإشارة إلى نقصه هنا في النحل بالسكوت عن وصفه بالحسن ومقابلته بالرزق الحسن.
المرحلة الثانية: بيان أن إثمه أكبر من نفعه في سورة البقرة: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}.
المرحلة الثالثة: النهي عن قربان الصلاة في حال السكر في سورة النساء: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}.
المرحلة الرابعة: التحريم القطعي البات في سورة المائدة: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}.
فالآية لا يصح الاحتجاج بها مطلقاً بعد استقرار التحريم القطعي بالإجماع والسنة المتواترة.
المقابلة البلاغية والاحتراس في قوله {وَرِزْقًا حَسَنًا}؛ حيث إن نعت الرزق بالحسن دون السكر أسلوب تلويحي راقٍ يومئ إلى رداءة ما يذهب بالعقل ويسكره.
ختم الآية بـ{لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}؛ لأن حماية العقل هي مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، والعاقل هو من يحفظ عقله ليتدبر به آيات ربه، ولا يسعى إلى تعطيله وإفساده بالمسكرات.
الإشارة والتدبر الإيماني: كرم الله تعالى في تنويع مذاقات الثمار ومنافعها؛ تخرج من شجرة واحدة ألواناً من الطيبات والأقوات، ليعلم العبد سعة فضل ربه ويستعمل نعمه في طاعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: رعاية التدرج الحكيم في معالجة الآفات الاجتماعية؛ فالإسلام ضرب أروع الأمثلة في نقل المجتمع من إدمان الخمر المتأصل إلى تركه كلياً بحكمة وتربية متأنية.
التطبيق العملي: تعظيم نعمة العقل وصيانته من كل مسكر ومفتر ومخدر، واختيار الأرزاق الحلال الطيبة ومجانبة كل كسب خبيث أو شبهة.
الوجدان الإيماني: الشكر القلبي واللساني للمنعم الذي أخرج لنا من بطون النخيل والأعناب ما يحيي الأبدان ويطيب به العيش.