تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يفضح المشهد الميداني لمحاكمة المشركين مع آلهتهم وأندادهم يوم القيامة؛ والمعنى: وإذا عاين ورأى المشركون يوم القيامة الأوثان والأصنام والشياطين الذين أشركوهم مع الله في العبادة، قال المشركون محاولين إلقاء اللوم عليهم والتنصل من المسؤولية: يا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم وندعوهم من دونك ونطيعهم في معصيتك! فتنطق تلك الآلهة والأصنام والشياطين بقدرة الله وتكذبهم علانية، فترد عليهم قولهم بإهانة وخزي: إنكم لكاذبون في دعواكم! ما أمرناكم بعبادتنا ولا رضينا بشرككم، وما كنتم تعبدون إلا أهواءكم وشياطينكم؛ كما قال تعالى: {فَتَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ۖ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الشركاء هنا يشمل الأصنام والملائكة والمسيح والشياطين؛ فكل ما عُبد من دون الله يتبرأ من عابديه يوم القيامة ويشهد عليهم بالكذب؛ كقوله تعالى في سورة يونس: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}؛ فكانت تلك المفاجأة أعظم حسرة وخيبة وقعت على المشركين.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى البلاغي في قوله: {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ}؛ وهو استعارة للسرعة والمبادرة برمي الكلام رداً عليهم ورفضاً لدعواهم؛ والشركاء إن كانوا حجارة جمادية أنطقها الله لتبكيتهم، وإن كانوا شياطين فتبرؤهم ظاهر، وإن كانوا من الصالحين والملائكة فبراءتهم من الشرك أعظم وأجلى.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف سقوط التعلق بالباطل؛ فالمشرك كان يرجو شفاعة آلهته ونصرتها، فإذا بها تنقلب عليه في أحلك المواقف خصماً تكذبه وتفضحه على رؤوس الأشهاد؛ فيتجرع ألم الخذلان مع ألم العذاب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
شُرَكَاءَهُمْ: الشريك النصيب والمساهم، وأضيفت إليهم لأنهم هم الذين صيروها شركاء بزعمهم وافترائهم.
فَأَلْقَوْا: الإلقاء الطرح والرمي بسرعة وقوة، واستعمل هنا للكلام الدال على الرفض والرد الصاعق.
هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا: «هَٰؤُلَاءِ» اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، «شُرَكَاؤُنَا» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، و«نا» مضاف إليه.
الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو: «الَّذِينَ» اسم موصول نعت لـ«شُرَكَاؤُنَا»، «كُنَّا» كان واسمها، وجملة «نَدْعُو» خبر كان، والعائد محذوف تقديره (ندعوهم).
مِن دُونِكَ: متعلق بمحذوف حال.
فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ: الفاء عاطفة لترتيب الرد، «أَلْقَوْا» فعل ماض مبني على الضم المقدر والواو فاعل يعود على الشركاء، «إِلَيْهِمُ» متعلق بـ«أَلْقَوْا»، «الْقَوْلَ» مفعول به منصوب.
إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ: «إِنَّكُمْ» إن واسمها، اللام المزحلقة، «لَكَاذِبُونَ» خبر إن مرفوع بالواو، والجملة مفسرة للقول أو في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تدرج القرآن في تصوير مشاهد القيامة؛ ففي الآية (84) الشهادة النبوية ومنع الإذن، وفي الآية (85) رؤية العذاب ومنع التخفيف والإنظار، ووصل هنا في الآية (86) إلى ذروة التنازع بين المشركين وأندادهم؛ ليرى المشرك خذلان من عبد من دون الله بأبشع صوره.
التناسب بين إلقاء القول والتكذيب: لم يقل «فأجابوهم» بل قال {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ}؛ تصويراً لشدة البراءة والنفور السريع؛ كأن الشركاء يقذفون في وجوههم هذا التكذيب قذفاً تبرؤاً من شؤمهم وعذابهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقال للمشركين {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} وهم بالفعل كانوا يعبدون تلك الأصنام والشركاء في الدنيا؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
لم يكذبوهم في أصل صدور العبادة منهم؛ بل كذبوهم في دعواهم الكبرى ومقتضاها؛ وهي:
كذبوهم في دعوى أنهم «شركاء لله»؛ فالله لا شريك له في ملكه ولا ألوهيته، فإطلاق اسم الشركاء عليهم افتراء محض.
كذبوهم في زعمهم أن هذه الأصنام أمرتهم بعبادتها أو رضيت بذلك أو أنها تملك لهم نفعاً أو شفاعة عند الله.
كذبوهم في محاولة إلقاء اللوم عليهم؛ فالعبادة صدرت عن هوى الكافرين واختيارهم الفاسد، فاستحقوا التكذيب والفضيحة على رؤوس الأشهاد.
الاستعارة التمثيلية الرائعة في {فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ}؛ حيث صور الكلام كالسهام أو الحجارة الثقيلة التي تُرمى وتقذف في وجوه المشركين لإسكاتهم وتبكيتهم.
تأكيد التكذيب بالجملة الاسمية المؤكدة بـ«إن» واللام {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ}؛ لبيان الحسم القاطع للبراءة ونفي أي علاقة بين العابدين والمعبودين.
إضافة الشركاء إليهم {شُرَكَاؤُنَا}؛ إقراراً وتثبيتاً لجرمهم واعترافاً بأنهم هم الذين صيروهم شركاء بأهوائهم.
الإشارة والتدبر الإيماني: حسرة الخذلان الأخروي؛ كل علاقة في الدنيا قامت على غير التوحيد وطاعة الله تنقلب يوم القيامة عداوة وبراءة ولعنة؛ قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنقية القلوب من التعلق بالوسائط والأشخاص؛ فكل من عُبد أو عُظم بالباطل سيتبرأ من أتباعه غداً ولن يملك لهم فتيلاً.
التطبيق العملي: إفراد الدعاء والاستعانة والرجاء بالله وحده، والبراءة الصريحة من كل مظاهر الشرك والتعلق بغير الله في السراء والضراء.
الوجدان الإيماني: الطمأنينة الكاملة إلى صدق التوحيد؛ فالموحد لا يخذله معبوده أبداً، بل يجد ربه أرحم به من كل شيء، ويثبت قدمه يوم تزل الأقدام.