وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
شرعت الآيات الكريمة في تفصيل سيل النعم المسخرة لمعاش الإنسان وحياته، مبتدئة بخلق الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم)، ومبينة ما أودع الله فيها من المنافع الحيوية التي تقوم عليها حياة البشر في ملبسهم وغذائهم واقتصادهم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} قالوا: "الأنعام هي الإبل والبقر والغنم؛ والدفء: ما استدفأتم به مما يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها من الثياب والأكسية والخيام والفرش". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَمَنَافِعُ} قال: "المنافع: نسلها، وألبانها، وركوبها، وحمل الأثقال عليها، وحراثتها للأرض". وفي قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} قال قتادة: "جعل لحومها غذاءً طيباً لكم تأكلون منه قواماً لأبدانكم". وقال الإمام القرطبي: "بدأ الله بذكر الأنعام لأنها أعظم أموال العرب وأعمها نفعاً؛ والدفء: كل ما يدفع البرد ويسخن البدن؛ وقدم الدفء على الأكل لأن ستر البدن ووقايته من البرد مقدم في حفظ الحياة على تحصيل الغذاء".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الترتيب البياني من بدائع الإعجاز القرآني؛ فبعد أن بين خلق الإنسان في الآية السابقة، ثنى مباشرة بذكر تسخير ما يحفظ حياة هذا الإنسان ويصلح شأنه: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا}. وجاء نصب الأنعام على الاشتغال {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا} لإبراز الفعل والاهتمام بالخلق؛ أي واعتنوا بذكر الأنعام فإن الله هو الذي تفرد بخلقها وتسخيرها لكم. ثم رتب منافع الأنعام ترتيباً دقيقاً مقدماً الأهم والأعم:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة الأنعام والملبس والغذاء: استحضار فضل الله في كل ما يرتديه الإنسان من صوف ووبر وجلد، وفي كل ما يطعمه من لحم ولبن وسمن؛ فكلها أرزاق مسخرة من الخالق المنعم. 2. الرفق بالحيوان والإحسان إليه: ما دامت الأنعام مسخرة من عند الله، فالواجب معاملتها بالرحمة والإطعام وعدم تحميلها ما لا تطيق، والإحسان إليها عند الذبح. 3. الاستدلال بالرزق على التوحيد: الذي سخر الأنعام بمنافعها ودفئها هو وحده المستحق للعبادة؛ فلا يجوز أن يذبح لغيره، ولا أن يتقرب بها للأصنام والقبور.