لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
أكدت الآية الكريمة بعبارة تحقيق وتوكيد جازمة لا ريب فيها، أن الله تعالى محيط بكل ما يخفيه أولئك المستكبرون وما يعلنونه من كيدهم وجحودهم واستكبارهم، وأنه سبحانه يبغض المتكبرين وسيجازيهم على كبرهم بالصغار والهوان والعذاب المقيم. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} قالوا: "لا جَرَمَ: كلمة تحقيق معناه: حقاً وصدقاً ويقيناً لا شك فيه؛ أن الله محصٍ عليهم سرهم وعلانيتهم؛ {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} أي: يبغضهم ويمقتهم ويعذبهم؛ لأن الكبرياء رداؤه والعزة إزاره، فمن نازعه فيهما قصمه وعذبه". وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر! قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس". وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار". وقال الإمام القرطبي: "لا جَرَمَ: كلمة تركبت من (لا) و(جرم) ومعناها عند أئمة اللغة: حقاً وباطلاً أنه لا محالة كائن؛ ونفي المحبة في قوله {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} يراد به إثبات نقيضها وهو البغض والغضب والعقاب الشديد؛ إذ محبة الله إرادة الثواب وإكرام العبد، ونفيها إرادة العقاب وإهانة العبد".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التعقيب الإلهي في منتهى الروعة والإنذار الصارم؛ فبعد أن وصفهم في الآية السابقة بأن {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}، جاء في هذه الآية ليقطع دابر أوهامهم بكلمة التحقيق والقطع: {لَا جَرَمَ}. فكأن الله يقول: حقاً ويقيناً لا مراء فيه، إن الله مطلع على ما تسر هذه القلوب المنكرة من الأحقاد والشكوك، وما تعلنه تلك الجوارح المستكبرة من الصدود والتكذيب. ثم ذيل الآية بالحكم الإلهي الصارم: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}؛ ليرتب الجزاء على جنس الذنب؛ فالذي يستكبر على الله ورسله ويغمط الناس مصيره إلى البغض الإلهي والذلة والمهانة في الدارين.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. التحذير الشديد من داء الكبر والغرور: الكبر يحبط الأعمال ويطرد العبد من رحمة الله؛ فالواجب تفقد النفس وتطهيرها من احتقار الناس ورد الحق. 2. الاستقامة في السر والعلن: استحضار أن الله يعلم خفايا الصدور يبعث في النفس الخوف والإخلاص ومطابقة السر للعلانية. 3. التخلق بخلق التواضع: التواضع لله وللمؤمنين سبب لمحبة الله ورفعة الدرجات، كما قال صلى الله عليه وسلم: "وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله" (رواه مسلم).