وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
ختمت السورة الكريمة بأعظم وصية جامعة للأمر بالاستمرار على عبادة الله تعالى والاستقامة على طاعته والدوام على التقرب إليه حتى تنقضي مدة الحياة الدنيا ويحل الأجل بالموت الذي لا ريب فيه. روى البخاري في «صحيحه» عن أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها حين توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير". وروى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس وسالم بن عبد الله ومجاهد وقتادة والحسن وابن زيد في قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} قالوا جميعاً: "اليقين هاهنا: الموت؛ أي: اثبت على عبادة ربك وأدم طاعته حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن البصري قال: "لم يجعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم تلا: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}". وقال الإمام القرطبي: "اليقين: الموت بإجماع أهل التفسير؛ وسمي الموت يقيناً لأنه أمر متيقن لا يشك فيه أحد من مؤمن أو كافر؛ وفيه رد قاطع على الزنادقة الذين يزعمون أن العبد إذا بلغ مرتبة من المعرفة سقطت عنه التكاليف والعبادة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الخاتمة لسورة الحجر تبلغ الغاية القصوى في الإحكام وحسن الختام؛ فالسورة افتتحت ببيان رغبة الكفار يوم القيامة لو كانوا مسلمين {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}، ثم دارت على بيان حفظ القرآن {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وعرضت مصارع الأمم واستكبارهم، وأمرت بالصدح بالحق {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، وداوت ضيق الصدر بالتسبيح والسجود {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}، ثم توجت هذا كله بقانون الاستمرارية والثبات: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. فهي تعطي المسلم ملامح المنهج الحياتي الراسخ: العبادة ليست مرحلة مؤقتة تنتهي بتحقيق أهداف سياسية أو دعوية، ولا تسقط بالبلوغ إلى سن معينة أو منزلة روحية خاصة، بل هي وظيفة العمر كله من المهد إلى اللحد. وجاء التعبير بالغاية {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ليحدد نهاية التكليف بنهاية الأجل الدنيوي، فيلقى العبد ربه وهو ساجد عابد مخلص.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. الاستقامة المستمرة حتى الموت: العبرة بالخواتيم؛ والواجب على المؤمن أن يظل ملازماً لطاعة الله ومحراب العبودية حتى تنتهي أنفاسه الأخيرة. 2. سد الذرائع أمام دعاوى الباطنية وسقوط التكاليف: ترسيخ أن شريعة الإسلام شريعة واضحة محكمة يلزم بها كل مسلم ما دام عقله ثابتاً، ولا تسقط العبادة عن أحد أبداً. 3. حسن الختام غاية السالكين: التربية على سؤال الله الثبات وحسن الخاتمة؛ ليكون آخر كلام المرء من الدنيا لا إله إلا الله، وآخر عمله طاعة ترضي ربه ومولاه.