أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {الر}: قال: "أنا الله أرى"، وعن ابن عباس أيضاً وسعيد بن جبير وعكرمة: "الر، وحم، ون، هي حروف مقطعة من اسم الله الأعظم (الرحمن)".
والقول المعتمد المحقق عند جماهير أئمة التفسير وأهل السنة (مجاهد، قتادة، الشعبي، ابن تيمية، ابن كثير): أن هذه الحروف أسماء للسور، وتنبيه على إعجاز القرآن العظيم؛ حيث صِيغ وتألف هذا الكتاب المعجز من جنس هذه الحروف الهجائية التي ينطق بها العرب ويتخاطبون بها في لغتهم، ومع ذلك عجزوا قاطبة عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله، فدل على أنه منزل من عند الله وليس من كلام البشر.
تفسير {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}:
قال مجاهد وقتادة وابن جرير الطبري: {تِلْكَ} إشارة إلى آيات السورة، أو آيات القرآن الموعود بنزوله، و{الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}: أي المحكم المتقن الذي أُحكمت آياته فلا يعتريها باطل ولا تناقض ولا خلل، وهو حاكم بالحق بين العباد في عقائدهم وشرائعهم وأحكامهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الْحَكِيم" لغة:
الحكيم: صفة مشبهة أو فعيل بمعنى مُفْعِل (مُحْكِم) أو فاعل (حاكم)؛ فصفة الكتاب بأنه "حكيم" تحتمل ثلاثة معانٍ لغوية جامعة:
ذو حكمة بالغة يفيض بها على قارئيه ومتبعيه.
مُحْكَم البناء والنظم والمعاني، لا عيب فيه ولا اضطراب.
حاكم يفصل في النزاعات ويميز بين الحق والباطل والهدى والضلال.
الإعراب المفصل:
"الر": حروف مقطعة، اسم للسورة مبني على السكون لا محل له من الإعراب، أو في محل رفع مبتدأ خبره اسم الإشارة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه الر).
"تِلْكَ": اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف لحرف الخطاب.
"آيَاتُ": خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وهو مضاف.
"الْكِتَابِ": مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
"الْحَكِيمِ": نعت لـ "الكتاب" مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال وافتتاح ذوات "الر": هذا هو المفتتح الأول لسور "الر" الست المتوالية؛ وافتتاحها بالحروف المقطعة يوقظ الأسماع ويهيئ النفوس لتلقي قضايا التوحيد والوحي؛ والإشارة بـ {تِلْكَ} إلى البعيد يفيد علو رتبة آيات هذا الكتاب ورفعة منزلته عند الله.
التناسب مع ختام سورة التوبة: لما كان ختام براءة بتقرير التوكل على رب العرش العظيم الذي أنزل رسوله بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، جاء مطلع يونس ليثبت الوثيقة المعجزة التي جاء بها هذا الرسول، وهي آيات الكتاب الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى العبث في وجود حروف لا يفهم معناها العامي: يزعم بعض الطاعنين أن افتتاح السور بحروف مثل "الر" كلام غير مفهوم لا فائدة منه!
الدفع والمحاكمة اللغوية والعقلية الصارمة:
هذا طعن ساقط ناشئ عن الجهل بأساليب البلغاء؛ فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب كانت تستعمل الحروف المقطعة للتنبيه ولفت الأنظار إلى عظيم ما سيُلقى بعدها من القول.
وورود هذه الحروف في مطالع السور المتضمنة للإعجاز والتحدي يحمل رسالة عقلية قاطعة للعرب: هذا القرآن مؤلف من "أ، ل، ر" التي تعرفونها وتركبون منها أشعاركم؛ فما بالكم عاجزون عن الإتيان بسورة مثله؟! فهذا الحرف الصامت أعظم برهان على عجز البيان البشري أمام البيان الإلهي.
المجاز العقلي في وصف الكتاب بـ "الحكيم": إسناد صفة الحكمة إلى الكتاب مجاز عقلي بديع؛ لأن الحكيم على الحقيقة هو الله منزل الكتاب، فوُصف الكتاب بصفة منزله إشعاراً بأن كل كلمة وحكم فيه تنضح بالحكمة الإلهية المطلقة.
اسم الإشارة للبعيد (تِلْكَ): للدلالة على رفعة الشأن وسمو المنزلة وبعد الغاية في الشرف والإعجاز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم القرآن واليقين بإحكامه: يغرس مطلع السورة في قلب المؤمن تعظيماً جليلاً لكتاب ربه؛ فلا يدخله شك في حكم من أحكامه، بل يوقن أن كل آية فيه محكمة ممتلئة بالحكمة والرحمة والعدل.
الاحتكام للكتاب في كل نزاع: مادام القرآن هو الكتاب الحكيم الحاكم، فالواجب على الأمة تحكيمه في سائر شؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والرضا بحكمه.