الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يفتتح الله سبحانه سورة هود بالحروف المقطعة {الر} الدالة على إعجاز القرآن وعلو شأنه، ثم يصف هذا الوحي المنزل بأجلّ صفتين تدلان على كماله المطلق في ألفاظه ومعانيه: الإحكام والتفصيل.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 211)مصدر غير محدد١٥/٢١١ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا في قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}: أي أُحكمت بالأمر والنهي والفرائض والحدود، فلا يدخلها عيب ولا باطل ولا تناقض، ثم فُصلت ببيان الحلال والحرام، والوعد والوعيد، والأمثال والقصص، وبيان كل ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {أُحْكِمَتْ}: أي لم ينسخها كتاب، {ثُمَّ فُصِّلَتْ}: بُينت آية آية وقصة قصة.
وأخرج ابن كثير (تفسير القرآن العظيم: 4/ 301)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٠١ أن معنى {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}: أي هي محكمة متقنة في ألفاظها البليغة المعجزة، فلا يتطرق إليها خلل ولا ركاكة، {ثُمَّ فُصِّلَتْ}: في معانيها وأحكامها الهادية إلى صراط مستقيم؛ فجمعت بين فصاحة المبنى وبلاغة المعنى، {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}؛ أي صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه، الخبير بعواقب الأمور وبواطن النفوس وما يصلحها.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(الجامع لأحكام القرآن: 9/ 2)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢: بَيَّن أن الإحكام في اللغة هو المنع من الفساد؛ ومنه إحكام البناء إذا وُثق ومُنع من التصدع، وحكمة اللجام لأنها تمنع الدابة من الاضطراب؛ فآيات القرآن منيعة عن الخلل والفساد والتناقض.
ابن القيم(بدائع الفوائد: 1/ 168)بدائع الفوائدابن القيم١/١٦٨: أشار إلى لطيفة العطف بـ {ثُمَّ}؛ مبيناً أنها للتراخي الرتبي؛ لأن تفصيل الآيات وبيان حقائقها ودقائقها أعظم رتبة من مجرد إحكامها في ذاتها، فكأن الإحكام أساس والتفصيل صرح مشيد عليه.
السعدي (تيسير الكريم الرحمن: 377): قال: وصف الله كتابه بأنه محكم؛ أي متقن صادق الأخبار، عادل الأحكام، ليس فيه كذب ولا تناقض، ثم فصلت: فرقت فبينت العقائد والأخلاق والآداب، وكل جنس من العلوم جاء على أكمل وجه وأبينه.
من الإحكام، وهو الإتقان ومنع الفساد، وأصله من الحكم وهو المنع؛ يقال: أحكمت الأمر إذا أتقنته بحيث لا ينقض.
فُصِّلَتْ
من التفصيل، وهو التبيين والتفريق بين الحق والباطل، وجعل الشيء فصولاً متميزة يسهل فهمها وتدبرها.
حَكِيمٍ خَبِيرٍ
الحكيم ذو الحكمة التامة في وضع الأشياء مواضعها، والخبير العالم بدقائق الأمور وبواطنها.
الر
اسم سورة مبني على السكون، أو حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه الر).
كِتَابٌ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذا كتابٌ)، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ أو مبتدأ وسوغ الابتداء به وصفه بما بعده، وخبره جملة {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.
أُحْكِمَتْ
فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
آيَاتُهُ
نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، وجملة {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} في محل رفع نعت لـ{كِتَابٌ}.
ثُمَّ
حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي الرتبي في الفضل والبيان.
فُصِّلَتْ
فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الآيات، والجملة معطوفة على جملة {أُحْكِمَتْ}.
مِن لَّدُنْ
من حرف جر، لدن اسم مبني على السكون في محل جر بمن متعلق بـ{فُصِّلَتْ} أو بمحذوف نعت ثانٍ لـ{كِتَابٌ}.
حَكِيمٍ
مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
خَبِيرٍ
نعت لـ{حَكِيمٍ} مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
النظم وتكامل الصفتين:
جمع القرآن هنا بين وصفي الإحكام والتفصيل: فالإحكام يدل على الإجمال المتقن المتماسك والوحدة الموضوعية الجامعة، والتفصيل يدل على البسط والتبيين والتمييز بين المفردات والأحكام.
التذييل بالاسمين الجليلين {حَكِيمٍ خَبِيرٍ}: لمطابقة صدر الآية لعجزها؛ فالإحكام ناشئ عن الحكمة، والتفصيل نابع من الخبرة بدقائق الأمور وما يصلح الخلق في كل زمان ومكان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التعارض بين نصوص القرآن في وصف آياته:
قد يستشكل البعض ظاهر الجمع بين قوله هنا: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}، وقوله في سورة آل عمران: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، وقوله في سورة الزمر: {كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ}؟
والجواب التحقيقي الحاسم لأهل العلم:
الإحكام العام: هو الوارد في سورة هود، ومعناه الإتقان التام وصدق الأخبار وعدالة الأحكام ونفي التناقض عن القرآن كله.
التشابه العام: هو الوارد في سورة الزمر، ومعناه تشابه القرآن في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعض.
الإحكام الخاص والمتشابه الخاص: هو الوارد في سورة آل عمران؛ فالمحكم الخاص هو واضح الدلالة الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً كنصوص الفرائض، والمتشابه الخاص هو ما احتمل أوجهاً أو استأثر الله بعلمه كوقت الساعة وحقائق صفات الغيب. فلا تعارض البتة بل هو غاية الاتساق والتكامل اللغوي والعقدي.
تنكير {كِتَابٌ}: للتعظيم الفخم؛ أي هذا كتاب عظيم لا يقاربه كتاب، متميز عن كل كلام.
التعبير بحرف التراخي {ثُمَّ}: لإبراز الفارق الرتبي والارتقاء في درجات الكمال؛ فكأنه يقول: أُحكمت آياته أولاً فصارت درراً متراصة، ثم ارتقى بها اللطف والبيان ففصلت فصلاً مبهراً يدركه كل عقل.
إسناد الإحكام والتفصيل إلى {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}: للإشعار بأن هذا الكتاب لم تصنعه يد بشر، بل صدر مباشرة من فيض الحكمة الإلهية المطلقة والخبرة الأزلية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
تعظيم القرآن في النفوس؛ واليقين بأنه المرجع المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من أي جهة.
استمداد منهجية البلاغ من كتاب الله؛ بالجمع بين إحكام الأصول وثباتها، وتفصيل الفروع وتبيينها بحكمة ورفق.
تدبر أسماء الله الحسنى، لا سيما "الحكيم الخبير"، والشعور بالأمان في ظل شرعه المنظم للكون والحياة.