الروايات المأثورة ومبتدأ قصص الأنبياء:
يشرع السياق القرآني في تفصيل قصص الأنبياء تسلية للنبي ﷺ وتثبيتاً لفؤاده، مبتدئاً بأول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك: نوح عليه السلام شيخ المرسلين.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 280)مصدر غير محدد١٥/٢٨٠ بسنده عن ابن عباس وقتادة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ}: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق والإسلام، حتى طرأ الشرك بعبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فبعث الله نوحاً عليه السلام نذيراً مبيناً، ينذرهم عقاب الله، ويبين لهم توحيده وشرعه بلسان فصيح ناصع وحجة قاطعة لا لبس فيها ولا غموض.
وأخرج ابن كثير (تفسير القرآن العظيم: 4/ 313)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣١٣ أن الله أرسل نوحاً داعياً إلى الله لا يكل ولا يمل، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، مبيناً لهم خطر عبادة غير الله ومآلها الشؤم في الدنيا والآخرة.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(الجامع لأحكام القرآن: 9/ 38)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٣٨: بَيَّن أن نوحاً عليه السلام سُمي نوحاً لكثرة نوحه وبكائه على نفسه وقومه في ذات الله، وكان أول نذير حذر من عذاب الاستئصال العام.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 403)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٤٠٣: قرر أن قصة نوح في سورة هود هي الأصل العظيم في بيان صراع التوحيد والشرك، وأن شبهات قوم نوح هي ذاتها شبهات المشركين في كل زمان؛ الطعن في بشرية الرسول وازدراء الأتباع الفقراء.
السعدي(ص 380)مصدر غير محدد٣٨٠: قال: أرسل الله نوحاً بالإنذار المبين؛ الموضح للحقائق، الكاشف للشبهات، المقرون بالأدلة الواضحة التي تلزم الحجة وتقطع المعذرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{نُوحًا}: اسم علم لنبي الله، مشتق من النوح وهو البكاء بحرقة وتضرع، أو اسم أعجمي عُرّب وصُرف لخفته وثلاثيته وسكون وسطه.
{نَذِيرٌ}: فعيل بمعنى مفعِل (مُنذر)، وهو الذي يعلم بالشر والمكروه ليُجتنب.
{مُّبِينٌ}: اسم فاعل من أبان؛ يأتي لازماً بمعنى بيّن وواضح في نفسه، ومتعدياً بمعنى مظهر وموضح للحقائق لغيره.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{نُوحًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة ومنصرف.
{إِنِّي}: إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها، والجملة مقول قول محذوف في موضع الحال تقديره: (قائلاً إني)، أو بتقدير بأنني.
{لَكُمْ}: متعلقان بـ{نَذِيرٌ}.
{نَذِيرٌ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{مُّبِينٌ}: نعت لـ{نَذِيرٌ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: {إِنِّي لَكُمْ} بكسر همزة (إنّ) على إضمار القول؛ أي فقال: إني لكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {أَنِّي لَكُمْ} بفتح همزة (أنّ) على تقدير حرف الجر؛ أي: أرسلناه بأني لكم نذير مبين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وافتتاح سجل النبوات:
بعد أن قرر في المقطع السابق أن القرآن منزل بعلم الله وتحدى به، وأن الوحي يصدقه كتاب موسى وتتظاهر عليه البينات، شرع هنا في إيراد التطبيق التاريخي الواقعي العملي؛ فبدأ بنوح عليه السلام الذي واجه استكبار البشرية الأول، ليعلم النبي ﷺ أن طريق الدعوة محفوف بالابتلاء، وأن النصر حليف المتقين في النهاية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة إرسال الرسل بالإنذار المبين:
تؤسس الآية لقاعدة العدالة الإلهية؛ فالله لا يعذب قوماً قبل إرسال رسول يقيم عليهم الحجة بالبيان المبين: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}؛ فكان إرسال نوح رحمة منه بعباده لإنقاذهم من أوحال الشرك، ولم يدع لهم شبهة يعتذرون بها.