الروايات المأثورة وسياق الخسران المطلق:
يصف الحق جل وعلا المآل النهائي لأولئك المعاندين المفترين؛ حيث خسروا أعظم ما يملكون وهي أنفسهم بخلودها في النار وحرمانها من النعيم المقيم، وتلاشت عنهم كل أوهامهم وأصنامهم التي كانوا يفترونها في الدنيا.
روى ابن جرير الطبري (15/ 274)مصدر غير محدد١٥/٢٧٤ بسنده عن قتادة ومجاهد: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}: أي أوبقوا أنفسهم وأهلكوها وأوردوها دار البوار، وباعوا النعيم الدائم بالعذاب المقيم، {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: أي غاب وتلاشى عنهم ما كانوا يختلقونه من دعوى الشفاعة للأصنام والأنداد، فلم يجدوا لها عيناً ولا أثراً ينفعهم عند نزول العذاب.
وأخرج ابن كثير (4/ 312)مصدر غير محدد٤/٣١٢ أن خسارة النفس هي الخسارة الحقيقية التي لا جبران لها؛ لأن من خسر ماله قد يعوضه، ومن خسر ولده قد يولد له، أما من خسر نفسه في نار جهنم فماذا ربح وماذا عسى أن يعوض؟!
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 34)مصدر غير محدد٩/٣٤: قال: خسران النفس هو فوات الجنة والخلود في النار، وضلال ما يفترون هو ذهاب آلهتهم وبطلان رجائهم فيها وخذلانها لهم أحوج ما كانوا إليها.
ابن القيم(الداء والدواء: ص 74)مصدر غير محدد٧٤: أشار إلى أن أعظم المقت أن يخسر العبد ذاته؛ فالكافر اشترى الهوى بالهدى، فخسر نفسه وعقله وأخرته، وبقي له الشقاء الأبدي.
السعدي(ص 380)مصدر غير محدد٣٨٠: بين أن كل افتراء وباطل تعلق به الكفار في الدنيا سيتحول في الآخرة إلى سراب هباء؛ لا يدفع عنهم كرباً ولا ينيلهم نفعاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَسِرُوا
الخسران في اللغة فوات رأس المال ونقصانه وضياعه.
وَضَلَّ
الضلال هنا الذهاب والتلاشي والغياب؛ يقال: ضل الشيء إذا غاب وضاع فلم يُهتدَ إليه.
يَفْتَرُونَ
يختلقون ويكذبون من مزاعم الشرك والشفاعة.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
خَسِرُوا
فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة والواو فاعل.
أَنفُسَهُمْ
مفعول به منصوب بالفتحة وهم مضاف إليه، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَضَلَّ
الواو عاطفة، ضل فعل ماض مبني على الفتح.
عَنْهُم
متعلقان بـ{ضَلَّ}.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ{ضَلَّ}.
كَانُوا
فعل ماض ناقص والواو اسمه.
يَفْتَرُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كانوا، وجملة كان وصلتها صلة الموصول (ما) والعائد محذوف تقديره يفترونه، وجملة {وَضَلَّ...} معطوفة على جملة الصلة الأولى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعبير بـ{ضَلَّ عَنْهُم}: يصور الأنداد والآلهة والشفاعة المكذوبة كأنها تاهت وضاعت في أودية القيامة فتركتهم وحدهم يواجهون لهيب الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة المتاجرة الخاسرة في الدنيا والآخرة:
تحاكم الآية العقلية المادية؛ فالإنسان يبذل طاقته في التجارة وجمع الأموال خوفاً من الخسارة، فالقرآن يذكره برأس المال الحقيقي: "نفسك التي بين جنبيك"؛ فإذا ضيعت نفسك في لهيب جهنم بالكفر والاستكبار، فما قيمة كل ما حزته في دنياك؟! إنها صفقة خاسرة يتبين بطلانها يوم تنكشف الحقائق وتتلاشى الأوهام المفترات.