الروايات المأثورة وسياق التحدي المعجز:
يواجه القرآن الكريم فرية مشركي قريش وزعمهم الباطل بأن محمداً ﷺ اختلق هذا القرآن وافتراه من عند نفسه، فيتحداهم بأعلى درجات التحدي المنطقي لإظهار عجزهم التام.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 247)مصدر غير محدد١٥/٢٤٧ بسنده عن مجاهد وقتادة: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}: بل يقولون اختلقه وافتعله محمد من عند نفسه، {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}: أي إن كان الأمر كما تزعمون بشرياً مفترى، وأنتم فرسان الفصاحة وأرباب البلاغة واللسان العربي، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات من كلامكم، {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ}: من فصحائكم وشعرائكم وآلهتكم ليعاونوكم على ذلك، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم أنه مفترى.
وأخرج ابن كثير (تفسير القرآن العظيم: 4/ 308)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٠٨ أن التحدي بالقرآن تدرج في أربع مراحل حاسمة:
التحدي بحديث مثله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} (الطور). فعجزوا في جميع المقامات وانقطع دابر باطلهم.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(الجامع لأحكام القرآن: 9/ 20)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٠: بَيَّن أن قوله {مُفْتَرَيَاتٍ} حجة إلزامية؛ أي أنتم تزعمون أني اختلقته وافتريته، فإذا كان الاختلاق مقدوراً للبشر فاختلقوا أنتم مثله وافتروه، فإن عجزتم فاعلموا أنه كلام خالق القوى والقدر لا مقدور للبشر.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 389)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٣٨٩: قرر أن وجه الإعجاز لا يقف عند الفصاحة اللفظية فحسب، بل يشمل الإحكام والصدق الغيبي وعظمة الشريعة وهدايتها، وهذا ما لا يمكن أن يجتمع في كلام مفترى.
السعدي(ص 378)مصدر غير محدد٣٧٨: قال: هذا تعجيز صريح؛ أباح لهم الاستعانة بجميع الخلق إلا الله، فلو كان بشرياً لأمكن لمعارضيه أن يأتوا بمثله، فلما أبلسوا وعجزوا ثبت أنه وحي رب العالمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَمْ
أم المنقطعة، وتفيد الإضراب والانتقال بمعنى (بل)، والهمزة الإنكارية؛ أي: بل أيقولون افتراه؟!
افْتَرَاهُ
الافتراء اختلاق الكذب وصنعه وتزويره بغير أصل، وأصله في اللغة القطع والشق؛ يقال: فرى الكذب إذا اختلقه وقطعه.
مُفْتَرَيَاتٍ
اسم مفعول من افترى؛ أي مختلقات مكذوبات بزعمكم.
أَمْ
حرف عطف وإضراب منقطع مبني على السكون.
يَقُولُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
افْتَرَاهُ
فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة مقول القول في محل نصب.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
فَأْتُوا
الفاء الفصيحة، ائتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
بِعَشْرِ
جار ومجرور متعلقان بـ{فَأْتُوا}.
سُوَرٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
مِّثْلِهِ
نعت لـ{سُوَرٍ} مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه.
مُفْتَرَيَاتٍ
نعت ثانٍ لـ{سُوَرٍ} مجرور بالكسرة الظاهرة.
وَادْعُوا
معطوف على ائتوا، فعل أمر والواو فاعل.
مَنِ
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ{ادْعُوا}.
اسْتَطَعْتُم
فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره (استطعتموه).
مِن دُونِ
متعلقان بمحذوف حال من العائد.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
إِن
حرف شرط جازم.
كُنتُمْ
فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
صَادِقِينَ
خبر كنتم منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن كنتم صادقين فأتوا بها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والمحاكمة الإلزامية:
الانتقال بـ {أَمْ} المنقطعة: لإظهار الاستنكار البالغ؛ كأنه يُضرب عن التعجب من مطالباتهم بالكنز والملك في الآية السابقة إلى ما هو أشنع وأقبح وهو دعوى افتراء القرآن.
التحدي المفتوح {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم}: ينسف كل عذر، ويوسع دائرة المنازلة لتشمل الإنس والجن وكل القوى البلاغية والكهانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان العجز المطلق عن المعارضة:
لو كان القرآن من وضع محمد ﷺ وهو رجل عربي أمي نشأ بينهم أربعين سنة يعرفون لغته وبيانه، لكان بإمكان كبار بلغاء قريش وفصحائها المعارضين له المستميتين في إسقاط دعوته أن يؤلفوا عشر سور قصيرة تشبه أسلوب القرآن ويقرأوها في مجمع عكاظ ليسقطوا نبوته بأسهل الطرق ودون حاجة إلى بذل الأموال وخوض الحروب وسفك الدماء؛ فلما عدلوا عن معارضة الحرف إلى مقارعة السيف، علم كل عاقل أنهم عجزوا عجزاً ذاتياً، وأن القرآن ليس من مقدور البشر أصلاً.
التعبير بـ{مُفْتَرَيَاتٍ}: تنزل حجاجي رفيع مع الخصم؛ كأنه يقول: لا أطالبكم بسور تحوي حقائق غيبية معجزة وتشريعات محكمة كقرآني، بل افتروا واختلقوا من عندكم ما شئتم من المعاني ونظموها في بلاغة تشبه القرآن، فلن تستطيعوا حتى هذا القدر من الافتراء في بلاغة النظم.
استثناء الله في {مِن دُونِ اللَّهِ}: إشارة لطيفة إلى أن الله وحده هو القادر على هذا الكلام المعجز؛ فاستعينوا بمن سواه إن كان في الوجود سواه يقدر على ذلك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
اليقين التام بإعجاز القرآن؛ فهو المعجزة الخالدة التي تتحدى العقول والأجيال إلى قيام الساعة.
قوة الداعية واستناده إلى الحق الواضح؛ فلا يتردد في مواجهة الشبهات بالحجة العقلية الصادعة.
إدراك أن عناد المعارضين للحق ليس عن نقص في الدليل، بل عن كبر وهوى مستحكم.