الروايات المأثورة وسياق ختام السورة العظيم:
يختم الله سبحانه سورة يونس المباركة بالوصية الذهبية الخالدة لسيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ولكل مصلح وداعٍ إلى الله إلى قيام الساعة: لزوم الاتباع للوحي، والتحلي بالصبر حتى يفصل الله بقضائه العادل.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 207)مصدر غير محدد١٥/٢٠٧ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ}: أي الزم القرآن والوحي المنزل عليك من ربك، واعمل بأوامره وانته عن نواهيه وبلغه للناس، {وَاصْبِرْ}: على تكذيب من كذبك وأذاهم، وعلى أداء الرسالة وثقل التكليف، {حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ}: بينك وبين من خالفك؛ إما بنصرك عليهم في الدنيا وإظهار دينك، وإما بمجازاتهم في الآخرة، {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}؛ لأنه سبحانه أحكم الحاكمين وأعدلهم، لا يظلم مثقال ذرة، وحكمه هو العدل والحق الذي لا جور فيه.
وأخرج ابن كثير (4/ 299)مصدر غير محدد٤/٢٩٩ أن هذا الختام القرآني المحكم يجمع ركني النجاح والفلاح لكل عبد: الاتباع للوحي المنير، والصبر على مجاري الأقدار وأذى الخلق حتى يأتي أمر الله الحاسم؛ فإن الله قد حكم بنصر نبيه وأمته وفتح مكة وإظهار الدين على الدين كله.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(8/ 385)مصدر غير محدد٨/٣٨٥: بَيَّن أن الآية جمعت أصول الدين؛ الاتباع للشريعة، والصبر على مشاقها ومكارهها، والتوكل على قضاء الله وحكمه العادل.
ابن القيم(عدة الصابرين: ص 102)عدة الصابرين وذخيرة الشاكرينابن القيم١٠٢: قال: جعل الله الصبر مقارناً للاتباع؛ لأن متبع الوحي لا بد أن يواجه معارضة الأهواء والبدع وأذى المخالفين، فإذا لم يتدرع بالصبر عجز عن مواصلة السير، فبالاتباع يستنير، وبالصبر يثبت حتى يبلغ الغاية.
السعدي(ص 376)مصدر غير محدد٣٧٦: ختم تفسيره للسورة بقوله: أمر الله نبيه بخصلتين هما ملاك الأمر كله: العمل بالوحي ظاهراً وباطناً، وحبس النفس على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة حتى يقضي الله أمره، وهو أعدل العادلين وأرحم الراحمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اتَّبِعْ
افتعال من التبع، وهو السير على الأثر واقتفاء النهج والانقياد للأمر.
اصْبِرْ
الصبر حبس النفس وكفها عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى، والجوارح عن المعاصي.
يَحْكُمَ
الحكم الفصل بين الخصمين وتمييز الحق من الباطل، وأصله في اللغة المنع؛ لأنه يمنع من الظلم.
خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
اسم تفضيل مضاف يفيد الأفضلية المطلقة في العدل والحكمة والإحاطة وسرعة الفصل.
وَاتَّبِعْ
الواو استئنافية، اتبع فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
مَا
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ{اتَّبِعْ}.
يُوحَىٰ
فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بالضمة المقدرة على الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (ما)، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
إِلَيْكَ
جار ومجرور متعلقان بـ{يُوحَىٰ}.
وَاصْبِرْ
الواو عاطفة، اصبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
حَتَّىٰ
حرف غاية وجر ونصب.
يَحْكُمَ
فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
اللَّهُ
لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بـ{حَتَّىٰ} متعلق بـ{اصْبِرْ}.
وَهُوَ
الواو حالية أو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
خَيْرُ
خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
الْحَاكِمِينَ
مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} في محل نصب حال أو استئنافية للتذييل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وحسن الختام:
هذا الختام البديع لسورة يونس يمثل ذروة التناسق القرآني؛ ابتدأت السورة بالكتاب الحكيم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، واختتمت بالأمر باتباع الوحي {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} وبالاحتكام إلى خير الحاكمين {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}؛ فالتقى أول السورة بآخرها في تعظيم الحكمة والوحي والقضاء الإلهي.
عطف {وَاصْبِرْ} على {وَاتَّبِعْ}: لأن الاتباع تكليف شاق يحتاج إلى صبر مستمر، فالصبر مطية الاتباع ووقوده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الحكم الإلهي والعدالة المطلقة:
تختم السورة بتقرير أن مآلات الصراع بين الحق والباطل ليست متروكة للمصادفة أو للقوى الغاشمة، بل هي موكولة لحكم الله؛ وبما أن الله {خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}، فإن حكمه معصوم من الجور والجهل والهوى الذي يعتري أحكام البشر؛ فحكمه في الدنيا ينصر أولياءه ويهلك المكذبين بسننه، وحكمه في الآخرة يقيم القسطاس المستقيم فيوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.