الروايات المأثورة وأسباب النزول:
تكشف الآية الكريمة سذاجة المشركين والمنافقين في محاولتهم ستر كفرهم وبغضهم للنبي ﷺ وتوهمهم إمكانية الاختفاء عن عين الله العليمة.
روى البخاري في صحيحه (حديث: 4681) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}: قال: "أُناسٌ كانوا يستحيون أن يتخلَّوا فيفضوا إلى السماء، وأن يُجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزلت هذه الآية".
وروى البخاري أيضاً (حديث: 4682) والترمذي عن عبد الله بن شداد قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي ﷺ ثنى صدره، وتغشى بثوبه، وطأطأ رأسه لئلا يراه النبي ﷺ ولا يسمع منه ما يتلوه، فأنزل الله الآية توبيخاً لهم وبياناً لإحاطة علمه سبحانه.
وقال ابن جرير الطبري (15/ 218)مصدر غير محدد١٥/٢١٨: المعنى أنهم يطوون صدورهم على العداوة والكفر بالحق ظانين أنهم يستخفون من الله ورسوله، فأخبر الله أنه يعلم خفاياهم حين يغطون رؤوسهم بثيابهم في ظلمة الليل وفي خلواتهم، يعلم ما يسرون وما يعلنون.
وأخرج ابن كثير (4/ 303)مصدر غير محدد٤/٣٠٣ أن قوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تقرير لعموم علمه التام بكل ما تكنه القلوب وتضمره الضمائر من النيات والخواطر والأسرار.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 7)مصدر غير محدد٩/٧: قال: ثني الصدر عطفه وطيه، وهو كناية عن إخفاء ما فيه من الشك والعداوة ومحاولة التواري، واستغشاء الثياب تغطية الوجه والجسد بها.
السعدي(ص 377)مصدر غير محدد٣٧٧: بَيَّن جهل هؤلاء المشركين؛ حيث ظنوا أن استتار الأجسام بالثياب وثني الصدور يحجبهم عن علم الله، فنبههم على كمال علمه المحيط بالسر والعلن.
ابن القيم(طريق الهجرتين: ص 88)طريق الهجرتين وباب السعادتينابن القيم٨٨: أشار إلى أن من عرف أن الله عليم بذات الصدور استحيى من ربه أن يرى في قلبه خاطرة لا يرضاها، أو شكاً في وعده، أو غلاً على أوليائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{يَثْنُونَ}: من الثَّنْي وهو العطف والطي، وثنى الشيء طواه، وثنى صدره أماله وطواه ليواري ما فيه.
{يَسْتَغْشُونَ}: من الغِشاء وهو الغطاء، واستغشى ثوبه غطى به رأسه ووجهه وتلفف به.
{بِذَاتِ الصُّدُورِ}: ذات الصدور هي الخفايا والضمائر والنيات الملازمة للصدور ملازمة الصاحب لصاحبه.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه تفيد تحقق ما بعدها.
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها والميم للجمع.
{يَثْنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{صُدُورَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهم مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
{لِيَسْتَخْفُوا}: اللام لام التعليل، يستخفوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
{مِنْهُ}: متعلقان بـ{يَسْتَخْفُوا}، والضمير يعود على الله (أي من علمه بزعمهم) أو على النبي ﷺ.
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه ثانية لزيادة التوكيد والتقرير.
{حِينَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ{يَعْلَمُ}.
{يَسْتَغْشُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{ثِيَابَهُمْ}: مفعول به منصوب وهم مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ{حِينَ}.
{يَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ{يَعْلَمُ}.
{يُسِرُّونَ}: فعل مضارع وفاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَمَا يُعْلِنُونَ}: معطوف على ما يسرون.
{إِنَّهُ}: إن واسمها.
{عَلِيمٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
{بِذَاتِ}: متعلقان بـ{عَلِيمٌ}.
{الصُّدُورِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عباس ومحمد بن علي الباقر وابن محيصن في غير المتواتر المشهور، وقرأ الجمهور المتواتر: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} بفتح الياء وسكون الثاء وضم النون من ثنى يثني.
وقرأ الجمهور {يَسْتَغْشُونَ} بفتح التاء وسكون الغين المعجمة وشين مفتوحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والتصوير النفسي الفاضح:
تكرار أداة التنبيه {أَلَا} مرتين في آية واحدة:
الأولى لافتتاح فضح مسلكهم الساذج: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}.
الثانية لافتتاح تقرير الإحاطة الإلهية المطلقة: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ...}.
رسم القرآن صورة حركية دقيقة لحال المنافقين والمعاندين في تسترهم الجسدي والشكلي؛ لإبراز التباين الساحق بين عجز الحيل البشرية وعظمة الرقابة الإلهية النافذة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سخافة توهم الاستخفاء من علام الغيوب:
تبرز الآية الانحدار العقلي لمن يعتقد الشرك أو النفاق؛ حيث يقيس علم الله المحيط بكل ذرة في الوجود على علم البشر المحدود الذي تحجبه الجدران والثياب! فالذي خلق الصدور والأثواب والليل والنهار كيف يحجبه ثوب مصنوع أو صدر مطوي؟! هذا برهان عقلي يثبت أن الجهل بحقيقة الخالق هو رأس كل ضلال ونفاق.